عن بحيرة نرسيس ومرآة فاوست وعن مرايا مولانا النيسابوري

 نوفمبر 30, 2018

 قيـــس مصطفــى 7GATES

 ليست المرآة جسماً عاكساً وكفى؛ إنها العين الصقيلة المتاخمة للحقيقة مع أنها صنّاعة أوهام بامتياز. ألم تضع المرآة المسيرة الإنسانية في تحولات خارجة عن توقعاتها؟!..

سطح الماء، الذي هو بشكل من الأشكال مرآة تعكس صورة الوجه، كان الخطوة الأولى في ذلك الإعجاب البشري بالذات. أسطورة نرسيس، التي كان سببها فعل الانعكاس (جوهر المرآة وعلّة وجودها) جرَّت معها المسيرة الإنسانية باتجاهات مختلفة، تصبّ كلها في بوتقة واحدة، هي صناعة التراجيديا الإنسانية التي ستنحدر منها رؤى تضع القانون البشري تحت قانون الطبيعة الذي لا يمكن لأحد خرقه. وبهذا يتجلّى الضعف البشري في القدرة على الاستمرارية، حتى وإن امتلك البشر المعرفة.. بل إنَّ المعرفة، في أبسط أشكالها والمرتبطة بالرؤية البصرية المباشرة، ستكون سبباً للفناء؛ وذلك كون تلك الرؤية قد انطوت على الدهشة. عندما تنبّأ العراف تيرزياس لنرسيس ابن النهر بأنه سيعيش طويلا شريطة ألا يرى نفسه، كان يجعل من معرفة الذات شرطاً للفناء. ما الذي يمكن للإنسان أن يستمرّ به، إن كان قد عرف نفسه؟ وبهذا ذوى نرسيس حتى مات، وتحول بعدها إلى تلك الزهرة البيضاء التي نسميها النرجس. وبهذا تكون المرآة سبباً من أسباب التحول من معطى جمالي إلى معطى جمالي آخر. ومثلما يكون الجمال البشري موسمياً، فإنَّ جمال زهرة النرجس موسمي أيضاً. أما المرآة أو الانعكاس أو المعرفة، فهي أداة ذلك العبور والتحول. المرآة أيضاً ستكون السبب الذي سيضع جريشن العذراء الجميلة الطاهرة في الضياع. كلّ ذلك سيحصل عندما سيشاهد فاوست صورة تلك الفتاة منعكسة على سطح المرآة، فيستعين بخادمه الشيطان للإيقاع بها. مأثرة غوته العظيمة استخدمت المرآة أيضاً لتكون الوسيلة التي يتمّ الانتقال بها من حالة إلى أخرى. وإذا كان صانع حكاية نرسيس ينطلق في صناعة التحوّل على المستوى البيولوجي من الحياة الطويلة كحالة طبيعية إلى الفناء كحالة طارئة، فإنَّ غوته ينقل شخصيته، على المستوى الروحي، من الطهر كحالة فطرية إلى الدنس كشيء مستجد. ولو لم تكن المرآة موجودة لما استطاعت المأساة أن تتحقق في الحكايتين. السؤال الأساسي: هل كان وجود المرآة كأداة سبباً في تحول نرسيس إلى زهرة، ومن ثم حصول جريشن على الغفران من الله بعد توبتها؟.. وهذا السؤال لا يصحّ إلا إذا افترضنا أن تحوّل نرسيس إلى زهرة يعادل حصول جريش على الغفران. بمعنى أنَّ هاتين النتيجتين في حكايتين مختلفتين هما شكل من أشكال الخلاص.

عموماً ليست المرآة إلا آلة صماء لا تعي ذاتها، وهي تمارس نشاطها من خلال قدرتها على التمترس خلف ذلك الصمم. اقتراب البشر من المرآة، ووقوفهم أمامها، هو ما يعطيها شرعية ومعنى الوجود. بمعنى أنها تقف على الحياد من مجرى الحدث حتى اللحظة التي يمرّ فيها أحد من أمامها. ومجازياً تكون المرآة المسبب أو المحرض. وبالتالي قد تكون مشتركة، بشكل أو آخر، في صناعة ذلك الخلاص المذكور. على الجهة الأخرى، لا شرعية للمرآة إن لم يُطلَ الوجه الخلفي منها بالمعدن. فقتل الوجه الآخر من المرآة وطلاؤه هو ما يعطي المرآة تلك القدرة السحرية، وغياب ذلك المعدن يجعل من المرآة مجرد بلّلور نفّاذ يستطيع الضوء اختراقه. وهذا ما كانت تفعله أليس في رواية لويس كارول الشهيرة «أليس في بلاد العجائب»؛ عندما كانت تجتاز جحر الأرنب فتنفذ منه إلى عالم آخر مليء بالمفاجآت والسحر. فالنفاذ من جحر الأرنب (المرآة التي تسمح بالنفاذ) كان طريق عبور أليس إلى حياة أخرى قائمة بذاتها ولها قانون آخر خارج القانون البشري المعتاد. وبهذا يصير النفاذ من المرآة، اقترافاً لمعجزة لا يمكن أن تتحقق إلا بالاستقواء بالخيال. وعملية النفاذ هذه (بعيداً عن حكاية أليس) تشبه، إلى حدّ بعيد، ذلك الانخطاف الصوفي الذي يستطيع المتصوف من خلاله أن يكون في حالة اندغام مع الإله. وعلى خطى مولانا الشيخ فريد الدين العطار النيسابوري، في كتابه المدهش «منطق الطير»، تغدو مشقة المتصوفة في الوصول إلى الله شكلاً من أشكال النفاذ عبر مرآة مليئة بالأهوال. تلك الأهوال شبيهة بتلك الأهوال التي لاقتها الطيور في رحلتها بحثاً عن طائر السيمورغ الأسطوري في جبل قاف. الرحلة، التي قادها الهدهد، أهلكت جميع الطيور، ما عدا ثلاثين طائراً وصلت الجبل المنشود بأعجوبة، ولما بحثت عن السيمورغ لم تجده، فكان السيمورغ هو تلك الطيور الثلاثين. «السيمورغ كالمرآة الساطعة، وكل من يقبل عليها يرى نفسه فيها».. الحكاية الرمزية التي أوردها النيسابوري، والتي يشير فيها إلى سلوك المريدين في طريق العشق الإلهي. اقتضت طائر السيمورغ الذي سيقف أمام المرآة ليجد نفسه ثلاثين من الطيور؛ في إحالة عظيمة إلى الله الذي يعيش في كل واحد منا.

لا تجد المرآة كياناً اعتبارياً لها خارج الثقافة، رغم أنها تقدّم للناظر فيها رؤية، ولا تقدّم له رؤيا؛ إذ إنها تقيم علاقة وثيقة مع حاسة البصر. وهذا يعني أن رومانسية المرآة واحتلالها مساحة واسعة في المفردات المرتبطة بالشعرية.. قادمٌ من لا معقوليتها في الأداء، من خلال القيام بعكس الصور. فهي تقدّم الصورة الأخرى للحقيقة. فالمرآة لا تستطيع الكذب نهائياً. وهذا ما وجد له تجسيداً في القصة الشعبية الألمانية «بيضاء الثلج»، التي جمعها الأخوان غريم؛ حيث كانت المرآة تمارس صدقها غير المشوب أمام الساحرة؛ تقول المرآة للساحرة: «إنك الأجمل بين نساء الكون».. وسيستمر سؤال الساحرة وإجابة المرآة إلى اللحظة التي ستكبر فيها بيضاء الثلج، وعندما ستسأل الساحرة مرآتها في ذلك اليوم: «مرآتي يا مرآتي من هي الأجمل بين نساء الكون؟»، ستجيب المرآة: «إنها بياض الثلج». وهذا ما سيقود المرآة إلى الكسر. المرآة المكسورة بلا فاعلية تذكر، إنها مجرد حطام، وبلور خرب يمكن له أن يجرح الأصابع، ويسبّب الأذى. ونحن نكسر المرايا، لأننا نعرف أنها عرضة للتهشيم. فنحن أصحاب سلطان على المرايا، لأننا لا نستطيع أن نتحمل تلك القدرة على الامتثال لما هو حقيقي، وليس لأنَّ المرآة هشة العناصر. أما الرؤية في المرآة، فإنها لا تتطلّب سوى تغيير الزوايا والأماكن التي نقف فيها أمامها، من أجل الحصول على رؤية أو حقيقة أكثر وضوحاً وجلاءً. أما ما نحتاجه اليوم، فهو مرآة أخرى وطريقة نظر أخرى.. مرآة حداثية، تعكس حقيقتنا، وجمالنا، دون أن نصاب بكل ذلك الفزع إذا ما حدّقنا في ذلك الكائن الصقيل.

وسوم: , , , , , , , ,



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


تابعونا عبر مواقع التواصل الاجتماعي

اشتركوا في نشرتنا الإخبارية.

الساعة