خارج الظّل

 نوفمبر 29, 2018

ديانا قاسم 7GATES

اسمحوا لي في البداية أن أعرّفَ بموقفي الخاصّ من تاريخ مسرحِ منطقتنا. أنا أنتمي لهؤلاء غير المُعتَرَف بنا في المدرسة الكلاسيكية المسيطرة على نظرية تاريخ المسرح العربي والغربيّ: أنتمي لهؤلاء الذين يرونَ أنَّ جزءاً من الفنون القديمة للشعوب الفينيقية والفرعونية والسومرية، كانَ مسرحاً.  وهو مسرح يختلفُ عن المسرح الأوروبي، لكن هناك دلائل أثريّة على وجوده وقد قرأتُ أمثلة منها. وأعتقد أنَّ سبب عدم الاعتراف بذلك هو عدم وجود النظرية المرافقة والموثّقة آنذاك، ولذلك سيبقى هذا الجانب في الظّل حاليّاً.

تمَّ اليوم إدراج مسرح خيال الظل السوري ضمن لائحة اليونسكو لحماية التراث الثقافي غير المادي المُهَدَّد.[1] هذا الإدراج يتضمّن منحىً يسرّ البعض وهو بأنَّ العالم الغربيّ يدعم ويعترف بأهميّةِ أحدِ فنونهم لكن متأخراً كالعادة بل وفي زمنٍ تراجيدي. أمّا المنحى الآخر فهو أنَّ هذا النوع من المسرح مهدّد بالزّوال (ممارسةً وتوثيقاً).

وهنا، أودّ أن أشمل معظمَ تراثنا المسرحيّ الشعبيّ منهُ والنّخبويّ. ولأنَّ الأزمات تطالُ البشر وأنشطتهم الثقافية معا لم يعد هناك متّسع مادّي أو معنويّ للاستدامة أو التنوّع أو لتقديم عروض استراجعيّة تراثيّة بالإضافة إلى ذبول حركة النقد والتوثيق. السببُ الآخر هو سيادة المدرسة الغربية في المسرح السوريّ المعاصر ولذلك فإنَّ أشكال المسرح الشعبيّ غائبة الآن_ وللمفارقة، غير شعبيّة. هنا عليَّ الإشارة إلى أنَّ ميلَ المسرح السوري المعاصر إلى المدارس الغربيّة قد أدّى فعلاً إلى إنجازات رائعة ولستُ بصدد انتقاد هذهِ التجربة، بل علينا دراستها.

على الرّغم من وجود عدة تجارب سطحيّة هنا وهناك في المسرح والتلفزيون والانترنت، هي دعوة لإعادةِ تفكيرنا نظريّاً وعمليّاً في صناعة المسرح السوري، إلى إعادة التجريب بشكلٍ جديٍّ وأعمق والتنقيب في التراث المسرحي، إن كان ضمنَ عروضٍ استرجاعيّة أو استلهاماً من تقنيات وأساليب أو مواضيع التراث المسرحيّ. فهذا التراث غير المادي أيضاً جزء من تاريخنا بغضّ النّظر عن مواقفنا المختلفة منه. إنَّ البحثَ في التاريخ غالباً ما يعيد صقل أدواتنا الحديثة، والتجريب في الفنون الشّعبيّة يتميّز بتفاعليّة أكبر، كما أنّها معروفة بحسّها النقديّ والفكاهيّ. ومن الجميل أن يستمرّ ويتطوّرَ تدريس الفنون الشعبيّة خاصة المسرحيّة منها في المعهد العالي للفنون المسرحية كي يسهمَ في إخراجِ تراثنا المسرحيّ القديم من الظّل.

وفي الختام، نظرة تأمّليّة على رأي مارون النقاش الدراماتورجيّ التطويعيّ المبكّر تجاهَ المسرح الأوروبي:

“… وإذا كانتِ المراسحُ تنقسمُ إلى مرتبتين، كلتاهُما تقرُّ فيهِما العين، إحداهُما يسمّونها بروزه  _أي النّثر_ وتنقسمُ إلى كوميديا ثمّ إلى دراما وإلى تراجيديا، ويبرزونها بسيطةً بغيرِ أشعار، وغيرَ ملحّنةٍ على الآلاتِ والأوتار، وثانيتهما تسمّى عندهم أوبره، وتنقسمُ نظيرَ تلكَ إلى عبوسه مُحزِنة ومُزهِرَة. وهي التي في فلكِ الموسيقى مقمرة. فكانَ الأهمُّ والألزمُ بالأحرى أن أصنّفَ وأترجمَ بالمرتبةِ، الأولى، لا الأخرى لأنّها أسهلُ وأقربُ، وفي البداءةِ أوجب. ولكنّ الذي ألزمني لمخالفةِ القياس وممارستي هذا المراس، أوّلاً أنّ الثّانية كانت لديّ ألذُّ وأشهى… وثانياً حيثُ ظنُّ المرءِ بالنّاسِ، كظنّهِ بنفسهِ بلا التباس، فترجّحتُ آرائي ورغبتي وغيرتي، أنّ الثّانية َتكونُ أحبّ من الأولى عندَ قومي وعشيرتي. فلذلكَ قد صوّبتُ أخيراً قصدي إلى تقليدِ المرسحِ الموسيقيّ المُجدي.

وها أنا متقدمٌ دونكم إلى قدّام، محتملاً فداءً عنكم إمكان الملام، مقدماً لهؤلاء الأسياد المعتبرين، أصحابَ الإدراكِ الموقّرين، ذوي المعرفة الفائقة، والأذهان الفريدة الرائقة الذين هم عين المتميزين بهذا العصر، وتاج الألباء والنجباء بهذا القطر، مبرزاً لهم مرسحاً أدبياً، وذهباً إفرنجيّاً مسبوكاً عربيّاً…”[2]

 

[1]  – https://ich.unesco.org/en/news/intangible-heritage-seven-elements-inscribed-on-the-list-in-need-of-urgent-safeguarding-00326

[2] – محمد يوسف نجم. (1967). المسرحيّة في الأدب العربيّ الحديث (الطّبعة الثّانية). بيروت: دار الثّقافة، ص 67

وسوم: , , , , , , , ,



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


تابعونا عبر مواقع التواصل الاجتماعي

اشتركوا في نشرتنا الإخبارية.

الساعة