عن المسرحيّ محمود تيمور

 مارس 24, 2016

إيمان طجمية 7GATES

ترجمة، مُجازة لغة عربية

محمود_تيموريُعتَبَرُ الكاتب المسرحي “محمود تيمور” المحظوظ الوحيد الذي وُلِد في ظل أسرة مشهورة بأدبائها، فأبوه “أحمد تيمور” كان نفسه كاتباً جنى شهرة واسعة كنصيرٍ متحمسٍ للأدبِ والفن، و كجامعٍ للكتب والمخطوطات، وكان “محمد تيمور” الأخ الأكبر لمحمود تيمور شخصية معروفة هو الآخر، وقد فقد المسرح المصري بموته المبكّر واحداً من أكثر نقّاده إدراكاً وبصيرة، وكاتباً من أقدر كتّاب المسرح. استمرت الأعمال التي قام بها محمد تيمور في حياته بطريقة أو بأخرى على يد أخيه الأصغر منه محمود، ولو أنه كان أكثر شهرة منه، وقد حظي محمود تيمور في فترة مبكّرة من حياته بميزة لقاءاته مع الأدباء ورجال التعليم، وكان لمحمود تيمور في البداية اهتمام بالاقتصاديات، ولكنه انقطع عنها بسبب مرضه وعكف على دراسة الأدب ثم على الكتابة بعد ذلك، ثم أوصلته مثابرته في عام 1950 إلى انتخابه عضواً في مجمّع اللغة العربية في القاهرة، وفي الثلاثين عاماً الأخيرة كتب محمود تيمور ونشر عدداً متزايداً دائماً من الروايات والمسرحيات وضعته في مصاف أبرز الروائيين من كتّاب المسرح، ليس فقط في مصر، ولكن في شتّى الأوطان العربية.

إنّ مسرحيات تيمور تقع في مسارين رئيسيين: الدراما الاجتماعية، والكوميديا، وإن كانت الأخيرة هي الغالبة. جرّب محمود تيمور حظه أربع مرات لكتابة المسرحية التاريخية، ولكن لم تُصِب أي محاولة منها نجاحاً مرموقاً، فمسرحية “اليوم خمر” هي رومانسية الشاعر الجاهلي “امرئ القيس” الذي أقسم أن يقلع عن الخمر والنساء حتى يقدر على الانتقام لقتل أبيه، ولكي ينفّذ امرؤ القيس انتقامه فإنه يذهب ليطلب مساعدة امبراطور بيزنطة، ولكنه يقع في حبال مكائد البلاط و رغائبها، وفي النهاية يهجرُ ترف حياة البلاط ويعود إلى الصحراء، والمسرحية جميعها عبارة عن أغنية غير مُقنِعة في تمجيد الصحراء، وتُعتَبَرُ المسرحية أكثر ملاءمة للقراءة منها للتمثيل، ونفس الشيء يمكن أن يقال عن مسرحية تيمور التاريخية الأخرى “سهاد” وهي قصة الحب والمكيدة في حقبة زاهية من الإسلام، وكذلك مسرحية “ابن جلا” وهي قصة حياة الحجّاج، هذا وإن كانت هذه المسرحية الأخيرة قد عُرِضت في القاهرة.

إنّ لتيمور إحساساً أكثر صدقاً بمتطلّباتِ خشبة المسرح في كوميدياته، وهذا يتّضح مثلاً عندما يُثير تيمور ضجة من أجل تلبية رغبة المرأة العربية في الحصول على احترام الرجال لإرادتها كما نرى ذلك في مسرحية “عوالي”، ولكن لا تزال مسرحية “المخبأ رقم 13” أفضَلَها جميعاً، وقد كُتِبت مرّتين، مرة بالفصحى، وأخرى بالعامية العربية أيضاً، وربما قصد بالمسرحية الأولى أن يقرأها الجمهور، وقصد بالثانية أن تُمثّل على المسرح، وفي هذه المسرحية نجد جماعة غير متجانسة تتجه إلى مخبأ لتفادي غارة جوية.

وأما عن مسرحيته الأخرى “قنابل” فقد قدّمها تيمور على أنها كوميدية، وهي كذلك حقاً على الرغم من مرارتها، وكان تيمور وهو الذي اكتسب شهرة تامة  كقصصي قد بدأ كتابة المسرحية مع بداية الحرب العالمية الثانية عندما تعرضت مصر للخطر، ولذلك فإننا نشعر بنبضات الحرب في كتاباته، وسخرية تيمور في هذه المسرحية موجهة إلى بعض سكان المدن الذين هالهم ضرب المدافع فتذكّروا الآن فقط أنّ عليهم أن يتحركوا إلى الريف ليُصلِحوا من أحوال جموع الفلاحين، وعندما تلاحقهم المتاعب هناك أيضاً نجدهم يتناسون ثم يعودون إلى المدينة، وقد كشف تيمور في هذه المسرحية عن الفجوة الموجودة في المجتمع المصري بين المدينة والقرية.

إنّ الكوميديا لا تقل شأناً عن الدراما في أنها أشبه بمنجمٍ زاخرٍ ينبؤنا عن الشخصية العربية والحياة الاجتماعية التي تحيا، وقد سخرت كوميديات كثيرة من التقليد الفج للسلوك الغربي الذي يلوذ إليه ويتشبّه به جانب من السكان الذين يمكن تسميتهم بالمستغربين، وقد استغل تيمور هذا اللون الساخر في واحدة من أحسن كوميدياته وهي “حفلة شاي” وقد وجه تيمور سخريته هنا نحو اثنين من المصريين الشبّان، إذ بدت عليهما الحداثة والسطحية بسبب تأثرهما بالمظاهر الأجنبية التي تنطق بها الديكورات الداخلية لمنازلهم، وآداب المائدة، و”موضات” ملابسهم، و”لكنات” أحاديثهم، وعلى أية حال فإنّ تناسيهم أو لامبالاتهم بالتصرفات اللائقة يسوقهم إلى تصوير بعض أنماط من “كوميديا الأخطاء” تؤدي في النهاية إلى فشل حفلة الشاي التي أقاموها، وهكذا فإنّ تيمور قد وضع يده على أحد “التقيّحات” الأساسية في جسد المجتمع العربي آنذاك عندما يكشف لنا عن خطر بناء الشخصية في حياة الجيل العربي الجديد.

لقد استمدّ محمود تيمور شخصياته من جميع طبقات الحياة المصرية، ومن القرية ومن المدينة على السواء، وفي حقيقة الأمر فإنّ أحد أسباب شعبية تيمور هو تماثل طبيعة النماذج التي يقدّمها مع شبيهاتها في الحياة، وكان تيمور يستخدم لغة فصحى تتخلّلها غالباً تعبيرات عامية، وفي نفس الوقت فإنه يشيع في لغة تيمور العربية العامية استخدام تعبيرات أدبية مأخوذة من العربية الفصحى، وهذا على الأقل تقارب جديد وأصيل بالنسبة لمشكلة اللغة التي حار فيها جميع كتّاب المسرح العربي.

يتميّزُ إنتاج محمود تيمور بالغزارة والتنوع، فقد شمل القصة والمسرحية والقصة القصيرة والبحوث الأدبية والدراسات اللغوية، ومن أهم آثاره: الشيخ جمعة، عم متولي، الشيخ سيد العبيط، رجب أفندي، توفي تيمور عن عمر بلغ نحو ثمانين عاماً في لوزان بسويسرا، ونُقِل جثمانه إلى القاهرة ودُفِن بها بعد أن أثرى المكتبة العربية بأكثر من سبعين كتاباً.

قال عنه طه حسين: لا أكاد أصدّق أنّ كاتباً مصرياً وصل إلى الجماهير المثقفة وغير المثقفة مثلما وصلت إليها أنت، فلا تكاد تكتب، ولا يكاد الناسُ يسمعون بعض ما تكتب حتى يصل إلى قلوبهم كما يصل الفاتح إلى المدينة التي يقهرها فيستأثر بها الاستئثار كلّه.

المصادر: دراسات في المسرح والسينما عند العرب، تأليف يعقوب لنداو، ترجمة أحمد المغازي، الهيئة المصرية العامة للكتاب 1969، من ص 246 إلى ص 252

uae7.com

 

وسوم: , , , ,



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الساعة