أثر الرافدين في دعوة للجمال بتجربة تشكيلية عراقية – قراءة

 مارس 23, 2016

عبود سلمان العبيد 7GATES

فنان تشكيلي وناقد

12804072_999295013452299_638889998_n

قراءة نقدية في أعمال فريال الأعظمي

الحديثُ عن عجلةِ الأيام عندما تدورُ مسرعةَ الخطا. تنطوي هناك الكثير من التفاصيل الحميمية، التي لو تخلى عنها الانسان، لكانت حياتهُ عدمية، وبلا نفع. كذلك هي في حياةِ الفنون الجميلة، حيث هناك الكثير من قبيل الصدف، قد تأتي في شكل لقاءات هامة، وتترك الكثير من الأثر. وهذا ما تمَّ صدفةً عندما زرتُ معرضاً لم يكن في الحسبان في وقتِ زيارةٍ كانت لي لمدينة دبي بدولة الامارات العربية المتحدة. عندما سافرتُ إليها لأولِ مرة بحياتي. حيث كانت لي جولة على بعض الغاليريهات الخاصة بالفنون التشكيلية. وكان لي شرف اللقاء بمعرض لفنانة تشكيلية عراقية مجيدة. كان اسمها راسخاً في ذاكرتي، ولا أنساه عندما شدتني بفكرةِ طرافةِ محتوى معرضِها وأعمالها. حين أعادت رسمَ الآثارِ العراقية، بلوحات كبيرة وصغيرة أبدعت أناملها بها.

4444

واسمها فريال الاعظمي وهي الفنانة التي وُلِدت في بغداد، ونشأت هناك في أرضِ الرافدين، وتخرّجت من إحدى جامعاتها. ومنها بدأت سيرتها الإبداعية عبرَ مختلفِ فنون الإبداع التشكيلية. في تلك اللوحات التي تعكسُ حضارةَ أثرِ الإنسان. في محاولةٍ منها لتسجيلِ روح العبقرية لأثرِ الإنسان وأوابدِهِ التاريخية، عبرَ أثريات فنيات اللقى والآثار والمخطوطات والنحت والعمارة والزخرفة والخط العربي، وخصائص عمر التاريخ العتيق. وعمق النتاجات التراثية والحضارية. فانتشرت بشهرة واسعة بنتاجاتها الفنية ورسوماتها المعبرة التي عرضتها في الشرق الاوسط وعبر أوروبا وانجلترا، بفنون الطباعة على الحرير، والجرافيك. وقد شاركت بالكثير من المعارض الفنية في مدن عدة منها؛ لندن والعراق ودول الخليج العربي. بالإضافة الى تكليفها باستشاراتٍ فنية من قبل مشاهير مهندسي الديكور الداخلي في العديد من الفنادق والمؤسسات الفنية الخاصة في الخليجِ العربي.
لتكون في جماليات اعمالها ((دعوة صريحة للجمال قد تأتي من بلاد الرافدين)). أقامت العديد من المعارض الفنية وفق منهجيتها الاسلوبية ذات المذهب الرومانتيكي الذي يحفل باستنشاق جذوة الحب، في رمزية الحياة، وعنفوان الصمود، ورموز التاريخ العظيمة التي أعادت تصويريها في محاولةٍ لاسترجاع روح القطع الأثرية النفيسة المفقودة، والباقية منها، وتخليدِها في لوحاتٍ جميلة غنية بالألوان، والدلالات والمعاني، تعكسُ حضارة تاريخ العراق العظيم. وتؤكدُ على خلودِ عمر الإنسان و الوطن، في روح أبناءه الإبرار، ليبقى اللحن والمعنى والإبداع خالداً، حيث الأيام المضطربة وفاجعة احتلاله من الداخل والخارج.
ولأنَّ الاستمرار الحر في معركة الوجود، كانَ الشغلَ الشاغل في ناقوسِ أيِّ مبدع فنان، على مر العصور، فقد جاءت ملحمة سعي الفنانة فريال الاعظمي كي ترسم. وذلك عبر مساحات فنية على شكلِ أريجِ أزاهير عشق الوطن المنتشرة والمخضبة بالدماء الطاهرة. في عشراتِ الصور للشهداء والضحايا و في أثواب قشيبة مزركشة بالأماني ومطرزة بالبذل الكبير، لهذا كان دورُ الفنانة هنا هام جداً، بأن تعيد حب جنبات الوطن، وتدلّلَ على أهميةِ عنصرِ الوفاء للمواقف الوطنية والجمالية.. ليسَ في رسم مستنسخات صورة عاش القائد ومات القائد، حيث دأب الكثيرون في مزايدات رخيصة أساءت للفن ومدّعيه. لهذا كان لازماً في وجدانِ فريال الاعظمي أن تمجد آثار الوطن وتنبّهَ إلى ظاهرةِ ما يتعرّضُ له العراق والوطن العربي من نهب، سواء التي يعاد احتلالها بالقوة، أو تُسرَق لتُبَاعَ في شكلِ خردة تذكارية، أو تُعطى لدول استعمارية شهيرة لتهديها لإسرائيل. حيث دخلت الكثير من آثار العراق هناك لقاء سماسرة محليين وتجار آثار لامعين وجامعين، أو ربما تهجيرَ تلكَ الآثار أو قتلها برصاص حي وهدمِها بدواعي فرضيّات التحريم والتمذهب، أو إبادتِها وتكسيرها أو تزييفِها وتقليدها، أو حرقِها في ظلال عمر الكآبة.. أو عبر لامبالاة واقعية يمارسها البعض الأخر تحت وابل من المحاصصة والحجج والادعاءات السياسية والفنية في معركةِ الأحداث الجارية في العراق.
ولهذا كان يجب محاربة كل أشكال أعداء الجمال وإقصاء أبطال نفوذ الكراهية والعنصرية والطائفية. لأنَّ علمَ الإبداع والجمال الإنساني والتاريخي، يجبُ أن يكون ضد فنون رسم القبح والادعاء. ولأنَّ الفنَّ الخالد باقي أبدَ الدهر ضدَّ نجومِ فضاءاتِ الأفُقِ الضيقِ وعبيدِ لاءات فرضيات كل فكر وافد مندس ورجعي تحت يافطات التحريم والتكفير والحلال والحرام.
بعدما كانت وستبقى بغداد عروس الشرق، وساحرةُ الأفقِ المبدع و شُعلةُ الريادة الإنسانية التي تحطمت على أسوارها كلُّ أشكالِ البربرية والهمجية والمرض العنصري. ومنذ بدء الخليقة هي أرضٌ للرّسلِ والتنبؤات والصالحين ومزاراتٌ للمواقفِ الإنسانية التاريخية في ملاذاتِ الحبِّ الأصيل والحضاراتِ الكونية الأولى.. مُدُنُ السلام والفكر، والعلم، والمكتبات، والأشعار، وأسطورة نهر دجلة، وماء الورد في عباءاتِ الدمعِ المتشحات بالأسود. وكأن الشاعر السياب يغنّي آخر شناشيلِ بنت الجلبي ومعه يغني فؤاد سالم غريب على الخليج والقبانجي والقصبي وداخل حسن وخضيري بعزيز وناظم الغزالي ورياض أحمد والياس خضر وسعدون جابر ومائدة نزهت وستياكوبيان وأمل خضير وفاطمة الربيعي ومحمد مهدي الجواهري ومظفر النواب وشيركو بي س وسركون بولص وسعدي يوسف، ونصب الحرية بساحة التحرير لجواد سليم، وحرائق من مزق لوحات فائق حسن الشهيدة، وتنظيرات بيانات شاكر حسن آل سعيد الجمالية، ونساء إسماعيل الشيخلي الملونة، وفرج عبو ومحمد عارف، وأصالة تاريخ الرسام عبد القادر الرسام، وحلم مخطوطة شيخ الخطاطين محمد هاشم البغدادي، ونصب الجندي المجهول لنحت خالد الرحال، ومحمد غني حكمت في كهرمانة، والمتنبي، بعدما أصبح عشقُ الوطن الجريح منفىً أخير لكلِّ عشّاقِ الحب والحرية والأوطان .
في شلالاتِ بيخال وكأنه سماء المنتهى في حانة البحار، وحفريات آشور لملوكِ الحضر، والزقورة وورق البردي في الأهوار، وموسيقى المقاهي في سامراء، والملوية، وأهل الكوفةو كان الفنُّ يُقتَلُ بصاروخٍ أو قنبلة انشطارية بحماقاتِ لاعبي الكؤوسِ الأخيرة والعجيبة في عواصم ِ صنعِ القرار.
 كانت مهمة الفنانة فريال الاعظمي شاقة وارتسمت في نسيجٍ ملحمي إبداعي على القماش، والورق، والألوان فجاءت ابتكاراتُها في حدودِ أصالةِ تعبيريّتِها وفي داخلِ واقعيتها لتصلَ إلى حرفيّة بديعة، وفقَ صياغاتِها التكوينية، التشكيلية، ذات الخصوصية والفرادة التعبيرية المُسجّاة بقوانينِ عوالمها الفنية، حيث الأبعادُ حضارية، ومحيطُ بيئتها هو من يعيدُ تشكيلَ لوحاتِها المجسّدة بأصولِ تقنيةٍ تنفيذية لعالمِها المتيافيزيقي حيثُ تنهلُ من محيطِها الإبداعي و الحضاري كلَّ هذهِ الوثائقِ الجمالية. تعيدُ تكوين رسمِ الوجوهِ الأثرية، وقوام مجسّمات الآثار ورسم نقش الرُقُم الأثريّة والمسمارية لآثارِ وطنِها الأم العراق العظيم.  وهي تقول أن العمل الفني الذي لا ينتمي إلى الزمكان بمقوماتٍ رومانتيكية ما هو إلا صياغات مُكتَسَبة، وهذا ما يسقطُ على ملامس المؤثراتِ الإبداعية في شكل صياغات قد لا تنتمي إلى الروح والرؤى بمزيجٍ إبداعي حقيقي. لهذا أنا أرسمُ ذاتي في شكلِ مكنوناتي الأخرى، حيثُ أنا سليلة الإبداعاتِ الرافدية الخالدة في شكلِ تاريخِ أمة إنسانية خالدة كانت ولازالت لها من ذات ِ الأهدافِ الجمالية الخالدة. مهما صار وطني منفى، وصارت أحلامي حفيف ستائر لا تنتهي، ضرباَ من الخيال في ظل متفجرات الواقع الملعون، فوطني أكبرُ من لوحة أو تمثال أو أنقاض ذكريات. وطني حقيقة خالدة، مهما أصبحَ بريّةً للموت والفناء. وطني مرآتي… وطني العراقُ كلُّه وهذا البيدرُ الكوني هو كاملُ وطني ووجعُ السنين، وسفرُ أسرابِ الطيور المهاجرة. فأنا في حلمي وفني والواني؛ أنا وطني الصغير الكبير، ومازلتُ أحلقُ فوق بيتي ورأسي، ولوحتي الأخيرة. أنا الفريال في نسمةِ خريف خرائط وطني الممزق.. التي تبدعُ لوحةً للمستقبلِ الكبير. 

 

• عن عبود سلمان: عمِلَ كمدرّسٍ للتربية الفنية لأكثر من 22 سنة ودرّسَ أيضاً مادة الكاريكاتير الفني الخط العربي. أقامَ العديد من ورشات التأهيل الفني. عرضَ لوحاتهِ في مدنٍ مختلفة من الميادين، إلى دمشق، الاسكندرية، دبي، الخرطوم، الرياض، باريس، وروما.  لهُ مؤلفات نقدية مثل (البذور والجذور 2003، ومرايا البوح 2008) ومقالات منشورة في صحف ومجلات مختلفة، منها ما يرصد نشاط فناني ومثقفي بلدتهِ (الميادين) السورية. وهو رئيس تحرير للمجلة الالكترونية ( الميادين منبر للإبداع العربي الحر) التي أسسها مع الناقد مؤيد منيف. حائز على جائزة (المبدعون) للنقد التشكيلي في دولة الإمارات العربية المتحدة على مستوى الوطن العربي بمجلة الصدى الاماراتية . وتم اختياره في 2002 كممثل لفناني البحر الأبيض المتوسط عبر شبكة الانترنت من قبل الاتحاد الثقافي الدولي بمدينة نابولي الإيطالية.

وسوم: , , , , ,



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الساعة