في شكلِ المستقبل..

 مارس 1, 2016

ديانا قاسم 7GATES

‫DSCN4617 - نسخة

مُجازة أدب انكليزي/ جامعة تشرين، دراسات مسرحيّة/ المعهد العالي للفنون المسرحيّة، وماجستير تاريخ الفنون (اختصاص سينما)/ الأكاديمية البيلاروسية الحكوميّة للفنون. أخرَجَت وكتَبَت العرضين المسرحيّين (ذكريات زرقاء- ضمنَ برنامج احتفالية دمشق عاصمة الثّقافة العربيّة 2008، وإيقاعات مرسحيّة في مهرجان الشّوارع الخلفيّة بالاسكندريّة)، وفيلم وثائقي تجريبي (مبارح.. عادي.. 2013) تمّ عرضهُ في العديد من المهرجانات العربيّة والدوليّة. نصوص مسرحيّة مثل (المدينة المائلة، وحبل الياسمين)، وقصّة الأطفال (الفتاة التّفاحة) الحائزة على جائزة أدباء الأطفال من وزارة الثّقافة في سوريا 2008. دراسات نقديّة: البحث عن هاملت مجدّداً 2012 سوريا – المسرح والفنون البصريّة.. 2014 بيلاروسيا. تدريس مادتي (الانكليزية عبرَ الفن، والأدب المسرحيّ) في المعهد العالي للفنون المسرحية 2015. مشاركات في مشاهدة وتقييم الأفلام في المهرجان الأمريكي Red Rock.

بقدرِ ما يغريكَ العالمُ الافتراضي على شبكة الانترنت بتوثيقِ كلّ ثانية، بقدرِ ما تكتشف أنّهُ مكتبة هوائية مُعرَّضة ل Delete  بسهولة. وإنَّ انعدامَ الأمان ِ الالكتروني هذا، لا يؤثّرُ على علاقةِ الكثيرين بالتكنولوجيا. نعيشُ في عالم ٍ من المؤثرات التقنية في تفاصيلِ حياتنا اليومية، ابتداءً من الانترنت، والموبايل، وانتهاءً بالآلات والأسلحة، ما يدفعكَ كثيراً لتخيُّل ما هو شكل العالم المستقبلي؟

الجميع يتمنّى بأن تحوِّلَ التكنولوجيا الأخلاقية العالمَ إلى الأفضل، وبهذا يصبحُ شكلُ العالم في المستقبل: انخفاض معدّلات الوفيّات بسبب الأمراض المفاجئة.. حصول كلّ الأطفال على فرص للتعلّم وعيشِ طفولتهم بكرامة دون معاناة واضطهاد.. عمرُ الإنسانِ أطول مع قدرة على الاحتفاظ بالذاكرة البشرية بأمانٍ وثبات.

القانون يتطوّر ويتمّ احترامهُ أكثر، سيجدُ جميعُ البشرِ أماكنَ صحية وآمنة للعيشِ فيها، وتُفتَحُ الحدودُ الكاذبة بينَ دولِ العالم. تصلُ الفنون إلى كلِّ الناس.. علاقة ُ الإنسانِ مع الفنّ ستصبحُ أعمق على خلافِ ما هو متوقّع، سيصبحُ البشرُ أكثرَ اهتماماً وحاجة ً للفنِّ حتّى أكثرَ من الطّعام. ستدخلُ الموسيقى فعليّاً في غذاءِ ونموِّ الأطفال. معارضُ الفنِّ التّشكيليّ تجاوزت الأمكنة، يمكنكَ مشاهدة لوحةِ الفنّانِ الأصليّةِ الموجودةِ في أيِّ مكانٍ في العالم، مثلاً استخدام موادٍ ضوئيّة الكترونيّة. العالم ليسَ قرية صغيرة، بل مُتَّسِع جدّاً يصلُ حدَّ الفضاء، لكن يمكنكَ استضافتهُ كلّهُ في بيتكَ الصغير.  بإمكانِ البشر التنقّل بسرعة هائلة والاختفاء.. إلخ. الأزمنة موادّ افتراضيّة يمكنُ اختراقها، خاصة بعدَ ثورة نقل المعلومات عبر الهواء.

في الحقيقة، إنّنا جميعاً ننظرُ بالإعجابِ لمخترعيّ التكنولوجيا، ونحبّها.. لكن هل التكنولوجيا تحبّنا؟ هل تريدُ أن تتعاونَ معنا أم أنّها تسرقُ أدوارَنا؟ هل تحتفظ ُ بما نوثّقهُ فعليّاً؟

قد يجيبكَ على هذا بسرعة، جهازُك الكمبيوتر الذي تعطّلَ فيهِ الهارد ديسك مؤخّراً فخسرَ كل المواد التي جمعتَها لأعوام ربّما، أو انقطاعُ التيارِ الكهربائي الدائم في بلدِك بعدَ أن تمّت برمجةُ حياتكَ السابقة اعتماداً عليه.

وهناك إجابات متعلّقة بالحروب التي تغذّيها مصانعُ الأسلحة العالمية بغرضِ إقامةِ أسواق استهلاكية.. وإشكالية صناعةِ الطاقة النووية ومدى خطورتها على البيئة والبشر، والتسابُق إلى الفضاء بمضامينهِ العسكريّة، كلُّ ذلك يرسمُ لأبنائِنا صورة ً مستقبليّة خلافَ ما نتمنّى.

والإنسانُ بوجههِ الحقيقيّ، يستنزفُ كلّ مواردِ الطبيعة، ويستهلكُها دونَ تعويض، يتدخّلُ في كلِّ شيء عبرَ التكنولوجيا بطريقةٍ سلبيّة..

تفحّصِ الهواءَ، قدّر كميّة التلوّث، ستعرف شكلَ الحياةِ القادمة. انظر إلى المساحاتِ الخضراء النادرة، وكلّ شيء طبيعيّ جميل مضمحلّ. راقب الكوارث البيئية ومستويات انقراض الكائنات الحيّة التي افتقدتها سلسلة الحياة في الكون..

كلُّ ما ستجدُه، في أرضنا ووطننا المستقبليّ، هو إنسانٌ انقطعَ عن الاتحاد والانسجام مع كونِه.. بل قرّرَ تدميره، ليسَ فقط عبرَ أدوات تقنيّة أو مادية بل أيضاً عبرَ أفكار عنيفة، أو معتقدات متخلّفة تُقصي البشرَ في سجون ٍعنصرية، طائفية وعرقية وطبقية.. وبسبب الحركة البطئية للتاريخ، فالإنسانُ لا يعي ما يفعل.. بأنَّ انعدامَ الكون يعني انعدامَ الإنسانِ ذاته.

ومن هنا جاءت الدعوة الفلسفيّة القديمة المنقوشةً على باب هيكل أبولون في دلفي، للإنسان: “اعرف نفسَك” والتي نادى بها فلاسفة الإغريق في عصور ما قبل الميلاد، بالإضافة إلى المغزى الذي نفهمهُ من معظم أساطير الشعوب القديمة، كي يحافظَ الإنسان على ما حوله. ولمعرفة الذات، على الإنسان أن يتعلّم من الكون، ويقلّدَ نظريّتهُ في الاتحاد والانسجام ضمنَ نظام إيجابيّ، لا نِهائي.

“اعرف نفسَك” دعوة تنبّأت بأنَّ إنسانَ عصرِنا هذا، تائهٌ بعيدٌ عن المعرفة، وتحذيرٌ لهذا الإنسان، قبلَ فوات الأوان.. أنَّ عليهِ تمرير أمانة الأرض إلى الأجيال اللاحقة بسلام. فما ذنب الإنسان المستقبليّ الذي سيرثُ كلّ هذا الدمار والتلوّث المنتشر في جميعِ أنحاءِ الكرة الأرضية! لماذا يرثُ مصانعَ الأسلحة والتلوّث الكيميائي والإشعاعي، والفيروسات الخطيرة ومكبّات النفايات، والأفكار المتطرفة؟ لماذا يرثُ أحقادَ الاقتتال على الأديان والسياسات والطبقات، والحدود القاتلة؟

إنَّ مشكلةَ الذاكرة والحفاظ عليها، هي أيضاً خطرٌ رئيسي يهدّدُ البشرية المستقبليّة. إنَّ معرفة الإنسان الحقيقية لذاتِه، كما أرادها الفلاسفة والفنانون العظماء الذين قدّموا إبداعات عديدة ذات أبعاد ونتائج مستقبليّة أو نبوءات علميّة، في روايات ونصوص مسرحية وأفلام سينمائية، هي معرفة تقودُ بهِ إلى الثقة بضرورة عدم فقدان ذاتِه وذاكرتِه، وإبقاء الكون وكوكب الأرض على طبيعتِه.. موطناً للأجيال القادمة، ومُلهِماً جميلاً..

هذهِ الأصوات الإبداعية العلمية أحياناً يعلو صوتها بطريقة مضادّة أيضاً.. بأنَّ بشراً في المستقبل في زمنٍ ما حاولوا، واجتهدوا، واستطاعوا إصلاحَ ما خرّبناه في أجسادنا وبيئتنا وأفكارنا..  وهذهِ الأصوات تردّد: توقّفوا عن حشدِ الطّاقاتِ العسكريّةِ التّخريبيّة.. لا يوجدُ حربٌ كونيّة قادمة، لن تنفذَ مصادرُ الطّاقة، لا يوجدُ في الفضاء من يرغب بغزو الأرض، بل ربما مجرّدُ أصدقاءٍ سيّاح سنتبادل معهم الخبرات والزّيارات.. يكفي مكاسبَ جديدة لرؤوسِ الاموال.

وسوم: , , , , , , , , , , , , , , , , , , ,



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الساعة