قيس مصطفى: كتابة تصنع هوية وأخرى تذهب أدراج الرياح

 فبراير 3, 2019

قيس مصطفى 7GATES 

الزمن المفقود زمن ضائع يستهلكه الكاتب في المراحل التي تتطلَّب إنتاج المعنى، وقد يكون هذا الزمن تلك الفسحة التي يحتاج إليها هذا أو ذاك من أجل الانتقال بين معانٍ مختلفة في حقل الدلالات الواسعة التي تتيح هذا النوع من الانتقالات. وهذا بعيد بشكل تام عن الزمن الذي تستغرقه الكتابة نفسها بما تنطوي عليه من ميكانيزمات يمكن ردّها إلى حقل من حقول الثقافة التي تبحث في أفكار كهذه، كالسيميائيات أو الإنتربولوجيا أو الألسنيات. المسألة أبسط من ذلك بكثير. قبل إنتاج النص يكون الكاتب غارقاً في الضباب. هذا الضباب سرعان ما ينقشع لمجرد ممارسة الكتابة وتدوين الأفكار والأخيلة والتهيئات والهواجس..إلخ. وبعد اتِّضاح الرؤيا، نجد أنفسنا حيال نصّ يمثّل نفسه وكاتبه في اللحظة ذاتها. بعضهم يذهب إلى فصل النص عن سياقاته وظروف وخلفيات كتابته، وبذلك تكون العملية “محايدة” بحتة، تعتمد منهجاً بنيوياً في التحليل. وبعضهم الآخر يخلط كلَّ شيء في الكتابة، وهنا تكمن المعضلة وتختلط السياقات؛ إذ إنَّ المحاكمات هنا لا تجري وفق أي عملية واضحة، اللهم إلا المشاعر التي تلقي بظلالها على النص وتؤطِّر حدوده اللامغلقة أصلاً..

ظلَّ الشاعر الأمريكي، وولت ويتمان، يكتب نصَّاً واحداً طوال حياته. كان مُصرَّاً على تجسيد معانٍ ثابتة ومستقرَّة في إطار المقولة العامة المرتبطة بالوجود، الذي يحاول هذا الشاعر أن يرسم له معنىً. هكذا وصل أخيراً إلى “أوراق العشب”. شعرية ويتمان كانت مهيمنة على نحو خلاق. بحيث جعلت بعدها الكثير من الأزمنة الشخصية مفقودة للكتاب. شعريات كثيرة ظهرت على أنها تقدِّم نفسها في الوقت الضائع، فلا أحد استطاع أن يترجم الحلم الأمريكي كما فعل ويتمان. بعد ذلك استطاعت الشعرية أن تُقلِع من جديد. ثم وجدنا أنفسنا بغتة واقعين تحت هيمنة “زوربا- ناكانتزاكس”، فيما نغفل له أعماله الأدبية الأخرى على أهميتها. أيضاً يُسأل ماركيز عن تلك الرواية التي كان يودُّ أن يكون كاتبها، فيجيب بلا هوادة: “بيت الجميلات النائمات- ميشيما”. نحن هنا عرضة لنصٍّ مركزي يهيمن على النص الجديد. نصّ يسرق زمنه؛ زمن الكاتب نفسه، وهذا ما جعل بورخس شغوفاً بـ”ألف ليلة وليلة”؛ النص البديع نفسه الذي اضطرَّ شعوباً أخرى إلى إنجاز نصوص موازية، كما في النسخة الإيطالية “الديكاميرون”.. وهذا الزمن المفقود بعد إنتاج النص يضيف كثيراً إلى أهمية “إشراقات رامبو وفصل جحيمه الأخاذ”…إلخ.. إنه رامبو نفسه الذي يسافر حافياً على الثلج، والعدمي والحضيضي المتهتِّك، الذي وجد وقتاً ليكتب أحد أهم النصوص في التاريخ الثقافي..

ما أحوال الزمن في كتابتنا اليوم؟.. يبدو الزمن سكونياً على نحو بعيد. في فضائنا المئات من الكتَّاب الذين لم يستطع نصُّهم أن ينقل المعاني من سيرورة إلى سيرورة أخرى. جاء الماغوط وفجّر الشعرية العربية. هيمن بكتابته، ومازال، على الكثيرين من أصحاب المقترحات الشعرية. قبله كان السيَّاب يقوم بعملية خلق حقيقية. كان زمن السياب متطاولاً ومتَّصلاً في اللحظة نفسها. ننسى هنا سيرة الشاعر المنكسر لنعيش معه الزمن الشعري الأكثر جودة، والذي لا يحتاج أبداً إلى كثير من الاعترافات. حقَّق السياب نقلة بين زمنين على مستوى الكتابة الشعرية نفسها في الزمن الثقافي العام. وتواترت نصوصه بحيث تشكِّل هوية واضحة وثابتة لكاتب ينتقل بين القصائد كما ينتقل الماء في مجرى السيل. جاء كثيرون بعده، والكثير منهم استطاعوا أن يوجدوا زمناً ثقافياً خاصاً. كانت الثقافة تحتمل على نحو تلك الفرادة التي نبحث عنها اليوم.. بين النصوص الأولى والأخيرة لمحمود درويش أزمنة مختلفة. الحديث هنا عن زمن النص نفسه، لا عن التواريخ والزمن الفيزيائي. محمود درويش عرف تماماً في وقت لاحق كيف أنه لا ينبغي على الشاعر ألا يفقد زمنه، أو ألا يكون زمنه متشظِّياً. هكذا ألغى عدداً من أعماله الشعرية الأولى، وهكذا أيضاً لم يتوانَ عن التصريح في السنوات الأخيرة من حياته بأنه بحاجة إلى الزمن ليكتب المزيد من الشعر. كما أنَّ متتبِّعاً لتصريحاته وحواراته يستنتج كيف عمل درويش باستمرار على خلط الأزمنة، وعلى استقدام الزمن الروائي إلى الزمن الشعري. الزمن المفقود يصبح الأداة الأمثل فيما بعد للحكم على التجربة ومسيرة الكتابة نفسه.

يمكن أن نسأل هذا أو ذاك عن الزمن الذي تركه خلف ظهره دون أن يقول فيه شيئاً. هذا يصحُّ مثلاً على شاعر من عيار بندر عبد الحميد؛ وهو شاعر السبعينات السوري الذي ظهر باقتدار مع منذر مصري وعادل محمود. استمرَّ الأخيران في كتابة نصِّهما، وتوقَّف عبد الحميد. كان وقتها يخذل زمنه بقرار رسمي. وقرَّر الموتُ أن يوقف الزمن البيولوجي وزمن النص لرياض الصالح الحسين، الذي كان يكتب قصيدة منعتقة بلا رتوش أو صنعات.. شاعر آخر مثل نزيه أبو عفش ظلَّ باستمرار يقول، إنَّ هذا زمني الخاص. إصراره لم ينفع كثيراً، لأنه لم يكتفِ بالانكفاء على نصِّه. لكننا وجدنا أيضاً أشخاصاً يتشبَّثون بأزمنة نصوصهم، ولا يتركون وقتاً يضيع أبداً في إطار هوية الكتابة ذاتها. نستطيع أن نتذكَّر هنا نجيب محفوظ، رمز السردية العربية الصلبة. في هذه الإشارة يكون الزمن المفقود معدوماً تقريباً. نحن هنا حيال كاتب خلق ليكتب باستمرار. قلم لم يتوقَّف أبداً طوال حياة الكاتب. هذا الزمن الذي أحاط به نجيب محفوظ هو نفسه الذي نجده عند آخرين، مثل إبراهيم الكوني؛ الروائي الليبي الصحراوي. هذا يؤطِّر اللحظات على نحو لا يقبل الريبة أبداً. يمثّله نصه الذي يقرأ على أكثر من مستوى والشديد الإيغال في العمق. مع إبراهيم الكوني تفتح كل السياقات على مجالات كتابية أخرى. نحن هنا أمام زمن سائل ينساب ببساطة وتظهر خصوصيته واضحة وجلية… فيما سبق قفزات و أمثلة لا رابط بينها تقريباً، تنتمي إلى مراحل زمنية مختلفة ومتجاورة. اليوم يكاد جميع الكتَّاب يعطون مترقِّبيهم فرصة الحديث عن أزمنة نصوصهم المفقودة. نصوصهم تلك التي بلا هوية، والتي لا يجمع بينها إلا الأمزجة وغياب المشروع. اليوم يصير الزمن- زمن النص وهويته- عنواناً لتشظِّيات في القراءة واختلافات في التلقِّي.. كيف يقبض الكتَّاب على زمنهم المفقود؟ لا أعتقد أنَّ هناك وصفة سحرية أبداً. على الجميع التفكّر والتدبير

وسوم: , , , , , , ,



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الساعة