قيس مصطفى: هل سنشهد ولادة شاعر كبير؟

 يناير 25, 2019

7GATES قيس مصطفى

 ما هي أحوال الشعر اليوم.. ربما تعود القصيدة إلى الواجهة في مرحلة يسود فيها الكثير من الخواء على مستوى القيم، ولكن ليس لهذه العودة ما يؤكدها أو يدلل عليها؛ ذلك أن التغيير يحصل في رؤوس الأهرامات ولم ينتقل بعد إلى القواعد الاجتماعية والثقافية.

اليوم يظهر الكثير من الشعراء، والمفاجئ أن للكثير منهم منجزاً كان قليل الانتشار، ويولد شعراء جدد ما كنا لنعرفهم لولا هذه «اللحظات التاريخية» التي نكون فيها- نحن مترقبي الشعر- شهوداً على أهم ما قد يحصل في التاريخ العربي الذي كان شديد الانكفاء والتأخّر. إن كتابة القصيدة اليوم تدخل في رتم شديد الخطورة، فكثيرون يكتبون نصاً شعرياً واحداً لا بمعنى أنهم يكتبون شعراً في سياق قصيدة واحدة تبني العالم وترممه على نحو خلاق، وإنما يكون الحديث هنا على المستوى التقني الذي يصير فيه بناء القصيدة متشابهاً لدى الجميع، الأمر الذي يوحي بأن الشعراء قد التقطوا نهجاً شعرياً يجدونه رابحاً وقادراً على أن يحظى بجمهور ما، ثم جاء الكثيرون ممن يودون كتابة الشعر، فراقبوا سلوك هؤلاء الشعراء وسرعان ما حلّوا الشيفرة التي وضعها هؤلاء، فصاروا يكتبون جملاً شعرية لا تقل قيمة عما كان المحترفون الذين كانوا يعتبرون هذا الشكل من الكتابة سبقاً وإنجازاً في الشكل والمضمون. بهذا المعنى تصير الأنساق الشعرية متاحة للجميع، ولا تصير عملية اقتراف الشعر عملية فردية، خاصة بصوت شعري معين، وإنما تصبح القصيدة فعلاً جماعياً يستطيعه من يقدر، مع قليل من صدق المشاعر، على القدوم بقصائد أكثر أهمية من محترفي الأنساق الشعرية شديدة الاستقرار.

المرحلة الراهنة بحاجة ماسة إلى شاعر فذ، الشاعر الذي تتجسد في شعريته الرؤى والتطلعات. شاعر يخلق من رحم الأزمات والمواقف الصعبة، كما كان يحصل عادة، ثم يصبح هذا الشاعر قادراً على أن تكون شعريته المتن الذي يجمع الرؤى والتصورات والهوامش المتعددة من دون أي تهويمات أو اصطناع سرعان ما يكتشفه المتلقي.. وبالتالي يجسد هذا الشاعر الضمير الشعبي والجمالي في اللحظة نفسها، كما فعل محمود درويش مثلاً وكما فعل محمد الماغوط في مراحل تاريخية متعاقبة ومتقاطعة. يبدو هذا المنطق -منطق الشاعر الرمز- إقصائياً بشكل من الأشكال، ويحمل في تصوره ديكتاتورية موروثة، ولكنه في اللحظة ذاتها منطق قائم عبر المراحل التاريخية التي ظهر فيها شعراء عظام. كان هناك دائماً شاعر يقوم بإلغاء شعراء آخرين على مستوى الحضور والتعبير والتجسيد الثقافي للشعر في سياق الثقافة ككل. لكن الشعراء الآخرين يبقون ويظلون حراس القصيدة وكتابها الذين لا يحتاجون إلى شرعيات مستمدة من سياق تاريخي أو نتيجة حراك معين؛ ذلك إنه لا يمكن لكتابة الشعر أن تتوقف مثلما لا يمكن للغة أن تكون حكراً على أحد، وإن حدثاً يتجسد بظهور شاعر كبير ليس إلا ضرورة تتسق مع الثقافة المركزية التي تهيمن في الثقافة العربية التي لا تقبل إلا أن يكون هناك مركز وأطراف وهو ما يندرج على بناء الدولة ولاحقاً على ما ينشأ عنها من أشكال جديدة…

ظهر الشعراء الكبار والعظام في مراحل اتسمت بالقلاقل والتبدلات والانزياحات الثقافية والانتقال من أطوار تاريخية إلى أطوار أخرى. كان الشاعر وقتها ضليعاً ومتفرداً في التحليل السياسي والاجتماعي والثقافي لهذا التحول؛ أي إن الشاعر كان أوسع ثقافة مما هو عليه الآن. كان قارئاً سياسياً، ومتتبّع مصالح وموازين قوى، على النحو الذي يجعله قادراً على فهم اللحظة وجعلها متساوقة مع أناه. كانت براغماتيته ودوره يؤهلانه كي يكون محوراً لا هامشاً وهذا يعني أن الشاعر كان قادراً على رصد التغيّر والاستجابة له في الكتابة، بعيداً عن المزاج وكؤوس النبيذ والموسيقا الهادئة التي يطالب بها بعض شعراء اليوم.. لكن المشهد اليوم يشهد انعداماً في الرؤية وهذا يعني أنه ليس عليك إلا أن تكون شاعراً من ضباب، وأن شعريتك لابد أن تكون منبثقة من هذا الضباب ومستجيبة لعماه الموغل في المعنى وابتساره في اللحظة ذاتها… لا يمكن وجود شاعر من العماء. يمكن للشاعر أن يشتغل في العماء وأن يكون هذا العماء منطلقاً للتجلي الحقيقي لشعريته الكامنة. لكن الشاعر ومقابل هذه التعمية القسرية، لا يمكن إلا أن يكون له موقف واضح وانحيازات لمعنى الشعر والقصيدة التي ترتبط بشكل قطعي بالحرية، وهذا الارتباط يجعل من الشعر معياراً للمشهد الجماعي الذي يتجلى في جميع مناحي الحياة الأخرى..

وهذا الفهم لدور الشاعر يصبح معياراً يحتمل الشعراء من بعده الفرز والتقييم، ونتيجة لغياب الفرز والتقييم نشاهد اليوم مدّاحين للسلاطين بمختلف أنواعهم، كما يجعلنا مترقبي كلمات مناوئة وأخرى صادرة من مناطق قصية، مثلما يجعلنا نترقب محايدين ممن لا يريدون اتخاذ موقف واضح يجعلهم ضمن تصنيف قد يدفعون الثمن من أجله لاحقاً. وهؤلاء ممن يختبئون اليوم ويتوارون لظرافتهم ووقوعهم تحت تأثير عشق لا يمكن أن يكون إلا سبباً في قصيدة «إيروتيكية» بلا أي هموم أخرى الشعر؛ الشعرية العربية على المحك، إذ إن هذه المرحلة مؤهلة لكي تنتج شعراء وتصدرهم إلى الثقافة. لا يمكن أن يختلف أحد مع أحد على أننا نعيش انتقالاً نفسياً وثقافياً رديفاً للانتقالات السياسية، وهذا الانتقال يجب أن يكون محمّلاً بالمعاني والسياقات، ويجب أن يتسم بالفرادة والتميز والاختلاف. نقرأ اليوم نصاً شعرياً مغفلاً من التوقيع، فنعرف أن هذا النص الشعري لهذا أو ذاك، ولكننا اليوم في غمرة التشابه واستسهال السياقات الشعرية، نجلس غارقين في رتم واحد لا يستطيع فيه أي منا أن يحدد فيه أي معنى من المعاني المرتبطة بالخصوصية والتميز. وهذا ينقلنا إلى الأصالة تلك التي يفتقدها الكثيرون والكثيرون جداً.

وسوم: , , , , ,



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الساعة