د. منتجب صقر: عن مسرحية “المبادلة” ل بول كلوديل

 ديسمبر 22, 2018

د. منتجب صقر 7GATES 

تعتبر مسرحية المبادلة L’échange  من أهم مسرحيات بول كلوديل ( Paul Claudel 1868-1955) التي تتسم بكلاسيكية واضحة سواء فيما يتعلق باللغة التي تميز كتاباته أو في المواضيع التي يتطرق لها عموماً في مسرحه والتي تعالج القيم الإنسانية مأساة الإنسان المعاصر في بداية القرن العشرين. تعالج المسرحية التي يخرجها المخرج الفرنسي كريستيان سكياريتتي Christien Schiaretti على خشبة المسرح الوطني الشعبي في ليون  (Le TNP de Lyon) أحد أهم أعمال بول كلوديل المسرحية مأساة زوجين يعيشان علاقة غير متكافئة تجعل من حياتهما مأساة حقيقية. تدور أحداث المسرحية حول قصة الزوجين الاوروبيين مارتا وليون لاين. الرجل “ليون” فقير وغير قادر على تحمل أعباء الحياة الزوجية في حين أن زوجته “مارتا” غير متطلبة وتقبل بالحياة الريفية البسيطة بل إنها تحب زوجها حباً لا مثيل له. يفضل الزوج ليون عرض رجل الأعمال الأميركي الثري بولوك ويبيع زوجته إليه ويرافق عشيقته التي تقتله بدافع الغيرة وتحرق بيت عشيقها الأول. في حين أن زوجته مارتا ترفض العرض وتبقى وحيدةً ترثي حالها منتظرة زوجها الذي بات يتردد بشكل غير مسبوق على بيت رجل الاعمال بولوك.

كتب بول كلوديل مسرحيته عندما كان يعمل كدبلوماسي في الولايات المتحدة الأميركية فعبر فيها عن تجربته الجديدة في مجتمع معقد لا يهتم سوى بالمال وتحقيق الرغبات الشخصية في كل علاقاته. وهنا فإنه ينقد السمة المادية التي يتحلى بها المجتمع الأميركي الذي لا يقيم أي وزن للعلاقات الاجتماعية و يتجسد ذلك في الرغبة التي يظهرها رجل الأعمال الأميركي في تحويل الناس إلى بضاعة تشترى و تباع فيدمر بماله حياة زوجين دون أن يجد حرجاً لذلك الأمر.

تعتبر هذه المسرحية تراجيديا كلاسيكية حيث أن الكاتب يحافظ فيها على وحدة المكان والزمان والحدث. أما المواضيع التي تتطرق لها فهي حب المال وسطوة الرغبة الشخصية في علاقة الزوجين بدلاً من الحب المتبادل. هناك شخصيات محافظة مثل مارتا زوجة لويس حيث أنها تمثل صورة المرأة البسيطة التي تريد الحفاظ على زوجها الشاب الذي يصغرها سناً. يتبجح الأخير بأن الحياة أمامه وأنه لم يعد يطيق روتين الحياة الزوجية المملة فعندما وجد الفرصة سانحة أمامه للتخلص منها لم يتوانى في قبول الأموال التي أعطاه إياها رجل الأعمال الغني توماس بولوك. أما هذا الأخير فهو يمثل الرجل الأميركي المعاصر الذي لا يقوم بأي شيء من أجل مصلحته فنراه يهجر عشيقته ويدفع مالاً للزوج لويس ليترك زوجته التي نالت إعجابه.

بعد أن علمت مارتا نبأ موت زوجها راحت تبكيه و ترثي حياة البشر الذين يفضلون المال على الإنسان، لقد خسرت كل شيء وبقيت وحيدة بعد أن خرب رجل الأعمال الثري وعشيقته حياتها وقتلا زوجها الذي خدع بفعل إغراء المال.

يبدو أن بول كلوديل يريد أن يُسمِعَ حديث مارتا الذي يفيض بالقيم الإنسانية حيث أنه من الضروري أخذ العبرة من تلك المبادلة التي رجحت لها كفة المال بدلا ً من كفة الإنسان فأتى المال على الإنسان وحوله إلى هشيم لا روح فيه، يريد أيضاً أن ينقد المجتمع الأميركي المادي الذي لا يرى في الإنسان سوى مادة لشهوات الأغنياء ونزواتهم.

بدا الإخراج كلاسيكياً جداً ومتعلقاً بشكل مباشر بالنص فهو تجسيد للدراماتورجيا الفرنسية التقليدية المتمثلة في نقل النص على الخشبة كما صاغه الكاتب دون أي تأثيرات أخرى. اعتمد المخرج على الخشبة العارية، لا ديكور سوى بعض الأضواء الليلية في خشبة المسرح التي توحي بالنجوم والليل وفي مقدمة الخشبة هناك كرسي صغير تجلس عليه أحد الشخصيات خلال الحوار. في بداية المسرحية يتم إسقاط كمية كبيرة من قطع الخشب من أعلى المسرح فتشكل طبقة تشبه الرمل وتجلس عليها الشخصيات التي تفترش الأرض وهنا فإن عدم وجود ديكور له دلالة رمزية كبيرة تعطي دوراً محورياً للنص المسرحي وطريقة إلقاءه من قبل الممثل و إسماعه وتلقيه للجمهور.

ليون كانون الأول 2018

وسوم: , , , , , , , , , , , , , ,



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الساعة