طعم الإسمنت

 مارس 6, 2018

7GATES
أحمد الحاج – باريس

ضمن فعاليات مهرجان برلين السينمائي، الذي اختتم الشهر الماضي، عرض فيلم طعم الإسمنت لمخرجه زياد كلثوم في قسم لولا برلينالي المخصص للمحترفين للترشح لجائزة الفيلم الأوربي، الفيلم إنتاج مشترك بين لبنان وألمانيا وقطر.

منذ خريف 2017 والفيلم يعرض في عديد المدن حول العالم، منها كمشارك بالمسابقة الرسمية ضمن مهرجانات دولية و منها كعرض تجاري، ومنذ ذلك الحين وطعم الإسمنت رقم صعب ومنافس شرس لامتلاك قلوب كل من المتلقي(المتفاعل – المتعاطف) والناقد(المتصيد) ولجان التحكيم(المانحة) على حد سواء.

تنبع أهمية طعم الاسمنت من عدة نقاط:
– أنجع معادل بصري لأمثل سيناريو مكتوب عن فكرة آنية طازجة وأصيلة، للعلاقة بين بيروت (لبنان) والعمالة السورية فيها، ذلك بالنظر إلى حجم الذاكرة الفردية أو الجمعية في هذه الموضوعة. (حكم القيمة بكلمات كا أنجع أو أمثل هو حكم نسبي نابع من الإحساس بدرجة أولى ثم من بقية عناصر الصنعة الفنية).

– لقطة أولى ذات معنى محدد تتبعها لقطة ثانية بمعنى محدد آخر، لتنتج لقطة ذهنية ثالثة لا يراها المشاهد، هذه سينما ذهنية إيزنشتينية، الجديد بالنسبة لي هنا هو حضور اللقطة الثالثة لكن كنص موازي (الرواي)، ما لا نشاهده كنتيجة لتصادم اللقطتين، نسمعه.

– عدد التناقضات أو التضادات أو التباينات التي بني الفيلم عليها بصريا، مثير للاهتمام (فوق – تحت)، (بناء – هدم)، (صعود – نزول)،(لبنان – سوريا هنا أقصد البنية الأفقية للحركة بينهما)، (وقوف – استلقاء)، (زاوية قائمة – دائرة)، (دخول – خروج)، هذه العكوس أو المغايرات العمودية للأفكار تبعها بصريا هندسة صورة حد الإتقان التام.
– دخول الإسمنت السائل الثقيل، البحر.
– رافعة بحركة التفافية حول المدينة، دبابة.

“يقول زياد كلثوم مخرج الفيلم عبر الهاتف في حديث خاص لي، أنه قام بسؤال أحد العمال عن علاقته(العامل) مع مدينة بيروت، يجيب العامل واصفا المدينة بورق الجدران”.

– دلالة ورق الجدران هنا عميقة، لكثرة الإحالات، ( الظاهر – الباطن)، (الحقيقة – الحقيقة المهيئة – التجميل)، بالإضافة لفكرة عدم قابلية النفاذ والحلول وذلك في المستوى الثالث للفهم والإحساس.
يعادلها الفيلم بصريا بلقطة طويلة الزمن تظهر ثبات ثلثي الكادر وحركة طفيفة تقتصر على المركبات وحركة الموج في الثلث المتبقي في العمق الثاني أو الثالث للقطة.

– الموضوعية كزاوية فهم ومعالجة لهذه الفكرة، ميز الفيلم وخصوصا أمام المشاهد الغير عربي أو بالأحرى غير اللبناني والسوري كأحد مفاعيل الفيلم، الموضوعية هنا، هي خيار واعي مدروس، يؤكد هذا الخيار الفكري من خلال المعالجة البصرية.

“في أحد عروض الفيلم في العاصمة الفرنسية باريس، قام أحد المتلقين بعد نهاية الفيلم وسأل زياد التالي: لكنك لم تشر إلى القاتل؟”

– ما الذي يريد أن يراه المتلقي؟ المشاهد؟ الجمهور؟
– كيف يرغب في رؤيته؟ من أي زاوية؟
– أن يدفع سعر تذكرة الدخول، ليسمع ويرى ما يؤكد له صوابية رأيه ورؤاه؟

– الحركة الأفقية والعمودية للمعالجة البصرية (الصورة بطبيعة الحال)، يصل الفيلم في القسم الأخير منه إلى ذروة قام المخرج بالتأسس لها بخطوط أفقية وعمودية متصالبة، ومن وجهة نظر الإسمنت نفسه في عربة خلط الماء بالإسمنت (المجبلة – الجبالة) لتبدو بيروت بحركة التفافية (دوامة) بزاوية منخفضة وهي تدور (السماء – الأرض) وضعية قلب المدينة رأسا على عقب، سحر.

يؤكد زياد في هذا الفيلم بأن لكل فيلم زاويته، معالجته، حكايته، فلسفته، ولحظته القصوى كمفهوم شعري وليس مادي. بعد آيدل والرقيب الخالد والآن طعم الإسمنت، يكرس نفسه كوثائقي قادر على إعادة فلسفة (إنتاج) الواقع بطريقته القصوى.
يبقى أن أشير إلى أن الفيلم ما زال يعرض في عدة مدن حول العالم ومرشح لجائزة الفيلم العربي المستحدثة من قبل مؤسسة الفيلم العربي. يتحضر زياد اليوم لفيلمه الروائي الأول.

وسوم: , , , ,



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الساعة