المثقف العربي والمثقف الغربي

 فبراير 24, 2018

د. منتجب صقر 7GATES

منذ يومين، دعاني مدير المدرسة الوطنية العليا للمسرح Ensatt في ليون بيير بارينتي لحضور عرض طلاب التمثيل Crue أي الفيضان، وهو مشروع تخرج الفصل الأول بعد أن دربهم المخرج جويل بومرا. شارك الطلاب بكتابة المشاهد وإخراج النصوص في أغلب الأحيان. في هذا العرض يتم معالجة موضوع التعامل مع الكوارث البيئية قبل وبعد حدوثها وخطر الإنسان على البيئة بشكل عام. كان هناك عدة فضاءات مسرحية مثل نهر الرون في ليون وجزيرة في المحيط الاطلنطي تحوي على أوساخ تقاذفتها الأمواج في إشارة إلى التلوث التي تحدثه السفن العابرة. هناك ممثلة تجسد دور بريجيت باردو والمساعي المعروفة التي قامت بها لحماية الحيوانات وانتقاد دور المنظمات الانسانية التي لا تساهم في إيقاف انقراض بعض الأنواع البحرية كالفقمة وغيرها.. في مشهد كوميدي لا يخلو من السخرية من الجمعيات الانسانية ومن المشاهير الذين يستغلون قضايا بيئية ليظهرون بشكل مستمر عبر وسائل الإعلام. 

لست بصدد الحديث عن العرض لأنه كان ضعيفاً عموماً ويفتقد للتجانس بين الممثلين كما ينمّ عن فروق واضحة في الأداء والإلقاء المسرحي.. لكني أريد أن أتحدث عن لقائي بالكاتب إنزو كورمان Enzo Corrmann الذي يدير ورشة عمل حول الكتابة المسرحية في مدرسة المسرح هذه. تحدثنا عن شجون المسرح والكتاب ثم قال لي لا أعرف أي كاتب مسرحي سوري أو عربي.. فقط بعض المخرجين اللبنانيين الذي يأتون إلى فرنسا باستمرار ويقدمون عروضاً أشبه بالعروض الأوروبية مثل ربيع مروة وروجيه عساف وغيرهم. قال أيضاً زرت مؤخراً مدينة طهران بعد ترجمة إحدى مسرحياته للغة الإيرانية “الآخر” (نص يتحدث عن الإزدواجية بين شخصين)، وأرى أنه من المؤسف أن يتأثر الكتّاب العرب بالأشكال المسرحية الأوروبية فينتجون مسرحيات قد لا تناسب المجتمع لديكم، في حين أنكم تملكون إرثاً ثقافياً رائعاً ومخزوناً درامياً يمكن استثماره في المسرح.. وهنا أجبته بأن المسرح العربي كان وما يزال عبارة عن حالات فردية مبدعة تفتقد للرعاية المؤسساتية كما هي الحال في فرنسا أو ألمانيا على سبيل المثال، رغم وجود كوادر نوعية في مجال المسرح في عدة دول عربية مثل سوريا وتونس.

سألته: لقد كتبت مقالاً عن دراماتورجيا الحرب في 2004 وتحدثت فيه عن رفض المجتمع الأوروبي للحرب الأميركية على العراق في 2003 ودعوت الكتاب المسرحيين لإظهار معاناة الشعب العراقي وتظاهرت في شوراع باريس كغيرك من الكتاب ورفضتم الحرب.. كان ذلك في الماضي والآن لا أراك تبدي أي رأي في أي مقال فيما يخص الحرب على سوريا.. قال لي:

هذا الكلام صحيح، أشعر بالخزي والعار من الحكومات الأوروبية وخصوصاً فرنسا التي عادت بلداً حضارياً كسوريا فقط لأسباب سياسية.. قلت له هناك عدد لا بأس به من المثقفين العرب وخصوصاً في المهجر، مهتمون بتقديم الثقافة العربية بشكل كي لا يقتنع الرأي العالمي بأن تلك الشعوب لا تنتج سوى ثقافة الحرب والقتل.

ربما يكون كلام الكاتب كورمان صحيح.. في المنطقة العربية أعداد لا يستهان بها من المثقفين النوعيين، وهنا المثقف النوعي – ذاك الذي يكتب ويناضل وينشط لقضية اجتماعية أو حالة فكرية ما ولا يحابي جماعة بعينها ولا شخصاً أو حاكماً ليحصل على امتيازاته (وما أكثرهم من مثقفين في بلداننا العربية)- عليه أن ينهل من تراثه ليقدمه للعالم بطريقة حضارية لا أن يكتفي بما قدمه الغرب له من أشكال فنية.. وهنا يجب أن نذكر أن العديد من الفنانين الغربيين استوحوا أهم أعمالهم من أساطير شرقية مثل الماهابراهاتا ل بيتر بروك، سدهارتا ل هرمان هسه وغيرهم (وهناك أمثلة عديدة).. لكن السؤال الأهم هنا: هل يمكن الحديث عن حالة ثقافية في بلد كسوريا تزجه دول عديدة في رحى حرب لا أفق لها، وحرب من نوع آخر تتجلى في تأمين لقمة العيش؟ لا يستطيع الكاتب كورمان أن يتخيل حياةً كتلك التي تحصل في سوريا.. أجل لا يتخيل لكنه ربما يتخيل ليبيا مشرذمة وعراقاً دامياً بسبب التدخل الأجنبي لغزو المنطقة وشرذمتها.. أما المثقفون السوريون فيتخيلون ويعيشون هذه الحياة الصعبة وكالغريق المتمسك بقشة في غمرة طوفان جارف، يتمسكون بمقال من هنا، كتاب من هناك، عرض مسرحي، ندوة، مشاركة.. محاولات لإحياء ما تبقى من أعراف الثقافة.

وسوم: , , , , , , , , , , , , , , , , , , ,



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الساعة