مسرحية “عليك أن تعودي غالباً” للكاتب الفرنسي فيليب مينانا

 فبراير 24, 2018

د. منتجب صقر 7GATES

في مسرحية “عليك أن تعودي غالباً” (Tu devrais venir plus souvent)، التي عرضت في مدينة ليون على خشبة مسرح المارونييه (Théâtre des Marronniers)، من إخراج غوتييه ماركادو (Gauthier Marchado) يقدم لنا الكاتب فيليب مينيانا (Philippe Minyana) تأملات و شهادات امرأة تعود إلى وطنها الأم حيث تلاقي أهلها وأصدقائها بعد غياب طويل وخصوصاً أمها التي جمعتها بها علاقة متوترة في الماضي. وهكذا فإننا نتابع في هذا المونولوج الداخلي أفكار تلك المرأة التي تستقرئ ماضيها فتبوح بأحاسيسها لدى لقاءها بأماكن الطفولة. يصف المخرج البلجيكي جان فرانسوا دومايير كتابة مينيانا كما يلي:

“إن أحد تقنيات الكتابة لدى مينيانا هو إعطاء الأولوية للكلمات على حساب كلمات أخرى. وعندما نلاحظ أن هناك تركيز على عبارة أو لفظة ما فمعنى ذلك أن الكاتب يريد من القارئ أو الممثل التوقف عند قراءتها”.[1]

يشكل موضوع المصالحة الموضوع المحوري في مسرحية “عليك أن تعودي غالباً” سيما وأن تلك المرأة تسعى للتصالح مع نفسها أولاً ثم مع عائلتها وأمها وماضيها و بمعنى آخر مع هويتها حيث تتكرر فكرة المصالحة مع المكان في مواضيع عديدة من النص. و هنا فإن الحامل الأساسي لهذه المسرحية هو الكلام السردي المتدفق تارة والمتقطع تارة أخرى وإن أكثر ما يثير انتباهنا هو حركة الكلام الداخلية التي تتماوج بين البطيء والسريع بحسب الأشياء التي تذكرها تلك المرأة. يتطرق الكاتب مينيانا إلى حركة الكلام في مسرحه عندما يذكر مشاكل الكتـّاب المعاصرين فيقول:

“يشكل الكلام مركز اهتمامي في المسرح. كل شيء يقال في حركة الكلام. فأنا لا أود أن أتطرق إلى عادات المجتمع و تفاصيله”.[2]

تندرج هذه المسرحية ضمن ما يدعى المونولوج الداخلي حيث يخرج كلام هذه المرأة معبراً عن فيض أفكارها الداخلية فهي تعود إلى وطنها الأم فتعود بذلك إلى نفسها وتتكلم عن الأشياء البسيطة المحيطة بها وهنا فإن قراءة النص تقدم لنا أمثلة واضحة عن التصاق النص بالكلام اليومي البسيط. تقول: “آه إنني أسمع أصواتاً أليفة ذات نبرات هادئة إنني أذكر جيداً هذه الأصوات”. و هنا فإن الكلام يبدو مباشراً و معبراً عن عفوية هذه المرأة.

وعندما تذكر تلك المرأة في حديثها موطن أمها “أصل أمي من أنتوناي” فهي تريد البحث عن هوية الأشخاص الذين تعود إليهم والحاجة إلى رؤيتهم. وعلى هذا النحو يمكننا القول أن هذه الشخصية تبحث عبر كلامها عن موضع قدم ترتكز عليه و عن مجال تتعرف فيه على الأشخاص الآخرين، تقول المرأة: “آه أنت أعرفك جيداً وأنت هل تعرفني هل تتذكرني أجل أنا أذكرك جيداً لكن هل تذكرني”. هذا الكلام يشرح عن قرب ردة الفعل التي قامت بها تلك المرأة عندما قررت العودة إلى موطنها الأصلي:

“عندما قررت أن أعود إلى وطني أدركت أنه ينبغي عليّ أن أتذكر أنني أنتمي إلى جماعة ما”.

وهكذا فإن حياة هذه المرأة تتسم بالبساطة التي تتواكب مع رغبتها بالعودة إلى عالم بسيط أولي تصوره لنا كأنه جنة عدن يطيب للمرء الرجوع إليها. تطرح هذه العودة مسألة المصالحة مع الماضي فتقول: “عدت إلى بلدي وكلّي شوق لرؤية عائلتي لقد حان وقت التصالح مع الجميع” حيث أن هذه الجملة تكرر في مواضع عديدة من النص فتضفي عليه صبغة شعرية. تتجسد هذه المصالحة التي تبحث عنها المرأة في لقاءها مع أمها ومعاودة الاتصال مع الناس الذين تركتهم في الماضي. و هكذا فإن المسرحية تفيض بالمواقف الحميمية التي تدور في فلك العلاقات العائلية كما ترويها المرأة العائدة إلى موطنها بعد غياب طال أجله.

مقطع من النص المسرحي: “عدت إلى بلدي قلت في سري آه إنه بلدي وبدأ الزمن يتباطئ بدا كل شيء يستعيد وظيفته الطبيعية إنني اجتاز المناظر وهكذا اكتملت الرحلة

عدت إلى بلدي أرى جيداً أنه بلدي إنه في ذكرياتي

عدت إلى بلدي وأنا أقول لنفسي اذهبي لرؤية الأهل قائلةً أيضاً حان وقت التصالح مع النفس كان المنظر يتتابع وكان صامتاً

كان ذلك ذات صباح قلت في نفسي اذهبي وفي اللحظة التي أصبحت فيها الأمنية رغبة أثارت الأحاسيس -التي واكبت المشروع- فيّ مشاعر متناقضة من جهة كان هناك تلك الرغبة ومن جهة أخرى كنت أخشى لحظة اللقاء.

عدت إلى بلدي وأيقنت أن جزءاً مني كان قد أنجز المرحلة مسبقاً وكنت قد رأيت المناظر ورأيت الأشخاص الغالين على قلبي

عندما قررت العودة إلى بلدي توجب عليّ أن أتحقق أنني أنتمي إلى مجموعة معينة (حيث يوجد الأهل). بدأ الزمن يتباطئ وشعرت بالمتعة مسبقاً”.

[1]  جان فرانسوا دومايير، ملف عن إخراج مسرحية “عليك أن تعودي غالباً”، في ورشة العمل المسرحية، مسرح ديجون الوطني، حزيران، 2006.

[2]  فيليب مينيانا، “فيليب/روبير” مسيرة عمل مشترك، عن مجلة “سبيكتر”، العدد 2، منشورات مسرح ديجون الوطني، تشرين أول، 2004، صفحة 19.

وسوم: , , , , , , , , , , , , , , , ,



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الساعة