مقتطفات من كتاب الأورجانون القصير ونظرية بريخت في المسرح الملحمي

 يناير 20, 2018

ديانا قاسم 7GATES

عن مقدمة د.نهاد صليحة. برتولد بريخت. (2000). الأورجانون الصغير (المجلد الأول). (ترجمة د.فاروق عبد القادر) الجيزة: هلا للنشر والتوزيع.

كانت النظرية الماركسيّة، وما أفرززتهُ من فكر اشتراكي، الأرض التي أنبتت ما أصبح يُعرَف بالمسرح السياسي في تجليّاته العديدة في الغرب، بداية من تجارب المسرح العمّالي، مروراً بالواقعيّة الاشتراكيّة، ومسرح التحريض والدعوة إلى الثورة _كما تبلور في عروض المخرج الألماني إرفن بسكاتور في العشرينات، وفي عروض مسرح الجريدة الحية في أمريكا في الثلاثينات_ وانتهاءً بالمسرح الملحمي الذي وضع نظريته الشاعر والمؤلف والمخرج الألماني برتولد بريخت (1898-1956)، ثمّ المسرح الوثائقي الذي تأثّر به. عُرِفَ عن بريخت وعيهُ بدوره التاريخي وإيمانهُ بضرورة التغيير. بدأً بالإبداع ثمّ التنظير، تحوّلَ بعد التقائه بالنظرية الماركسية والفكر الاشتراكي الثوري إلى أهمّ منظر للمسرح السياسي في القرن العشرين، بل أبرز منظري الدّراما عامة في هذا القرن.

يمزجُ المسرحُ الملحمي بين الموسيقى والغناء والرقص، والاسكتشات الفكاهيّة، والتعليق النقدي اللاذع على الواقع الاجتماعي والسياسي- مسرح يحقق المتعة الفنيّة، ويثير الفكر، ويجدد عيون المتفرج، لينزع المعتاد ويجعلَ المألوفَ غريباً.

ينطلق بريخت في هذه النظرية من رفضه المبدئي لنظرية أرسطو الدرامية، التي ضمّنها في كتابه فن الشعر في القرن الرابع ق.م، وسيطرت تماماً على المسرح الأوروبي عشرين قرناً، بل ولا تزال تسيطر على بعض الممارسين المسرحيين في الغرب والشرق حتى الآن.

لقد اكتشفَ بريخت، أنّ قواعد الدّراما التي وضعها أرسطو في كتاب ((فنّ الشعر))، كانت نتاجَ تصوّرٍ فكري وسياسي عن العالم في عصره، وإنَّ أرسطو حاول أن يجعل من النظام السياسي والفكري السائد في عصره قيمة مطلقة لا تخضع للنقد، ولا تربط بأيّة ظروف أو متغيّرات تاريخيّة. أدركَ بريخت أنّ البطل الفرد، المتميّز طبقيّاً في التراجيديا، كما يصفها أرسطو، هو رمز لمجتمع يقدّس نظاماً هرميّاً معيّناً، يقوم على التمييز الاقتصادي والاجتماعي لفئة محدّدة، وقهر الفئات الأخرى. وأنّ فكرة التطهير التي يجعلها أرسطو هدف التراجيديا، ويعني بها أن يشعر المتفرّج بالشفقة على البطل الذي يقوده الخطأ إلى السقوط، وأن يشعر بالخوف من أن يتعرض يوماً لنفس المصير- فكرة التطهير هذه، إنّما تعني في الحقيقة، تطهير المتفرج من نزعة الثورة على الأوضاع الاجتماعيّة، والأُطُرِ العقائديّة، مهما كانت ظالمة أو فاسدة. إنَّ جوهرَ الخلافِ بين أرسطو وبريخت، يتلخص في جملة كارل ماركس الشهيرة: “لقد انحصر جهد الفلاسفة دائماً في تفسير العالم، وذهبوا في ذلك مذاهب مختلفة. ولكنّ القضيّة ليست تفسير العالم، بل تغييره.” اعتنق بريخت الماركسية بعدَ مرحلته الفوضويّة وأنتج نظريته في إطار الفكر الماركسي. قامت نظريته على مبدأ محاولة هدم الفكر السّائد، والدعوة إلى فكر جديد. لذلك أصرّت على ضرورة مشاركة المتفرّج مشاركة إيجابيّة في العرض المسرحي عن طريق إيقاظ وعيه النقدي بمطالب الواقع، بحيث يدرك ضرورة تغيير هذا الواقع، وتستيقظ لديه الدفعة نحو الفعل الثوري بهدف التغيير.

كلّ عناصر العرض المسرحي وشروط بريخت تهدف إلى هدم مبدأ الإيهام والتعاطف الأرسطي. وإلى التغريب، أي إثارة وعي المتفرج بغرابةِ وتناقض واقعه الاجتماعي، الذي يعرّيهِ العرضُ على خشبة المسرح، وإلى إثارة رغبته في تغيير هذا الواقع المتناقض الغريب تغييراً جذريّاً، حتى يستقيم مرة أخرى.

من مسرحيات بريخت: بعل، طبول الليل، غابات المدن، جاليلو، الأم شجاعة، دائرة الطباشير القوقازية، الاستثناء والقاعدة، أوبرا القروش الثلاث (1928) وهي أولى مسرحياته الهادفة، اتجه فيها إلى المسرح الشعبي، وحاول أن يقدّم بديلاً للأوبرا التقليديّة التي تخاطب الطبقات الأرستقراطيّة والبرجوازيّة، فجاءت المسرحيّة نموذجاً متألّقاً، بديعاً ومبكّراً، للمسرح الملحمي.

وسوم: , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , ,



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الساعة