البيت في الفضاءِ الدرامي والسينمائي

 أكتوبر 14, 2017

ديانا قاسم 7GATES

إنَّ مرجعيّات ودلالات البيت في الفضاءِ السينمائيّ تعودُ لكونهِ شكّلَ مكاناً دراميّاً أساسيّاً عبرَ تاريخِ المسرح[1]. ففي الدراما الحديثة في القرنِ التّاسع عشر، سيطرَ البيتُ كملعبٍ للحدثِ في أغلبِ النّصوصِ والعروضِ المسرحيّة. نلاحظُ أنَّ معظمَ فاتحيّ الدراما الحديثة[2]، قد اعتمدوا هذا الشّكلَ المعماريّ: البيت، بدلالاتهِ المدنيّة والواقعيّة والحميمية، محقّقينَ عبرَ شكلِ البنيةِ هذا أهدافَ الدراما الجديدة. مثلاً، في نصّ بستان الكرز 1904 لأنطون تشيخوف 1860- 1904، تدورُ الحكايةُ كُلُّها حولَ بستانِ الكرز، إلّا أنّنا لا نراه؛ فالمكانُ الدّرامي الأساسيّ هو البيت، وهذا أيضاً في نصّهِ الشّقيقات الثّلاث 1901، حيثُ تحلمن بالخروجِ من البيت والانتقالِ إلى موسكو. ولدى أوغست سترندبرغ 1849-1912، في نص مس جولي 1888 حيثُ يتمثّلُ المكانِ الدّرامي بمطبخِ بيتِ جولي. كما يقدّمُ لنا جورج برناردشو 1856-1950 بيتاً عجيباً يشبهُ مؤخّرةَ السّفينة في منزلِ القلوبِ المحطّمة 1914. كذلك، يحتلُّ البيتُ، المكانَ الدراميَّ الأساسيَّ في معظم ِ نصوصِ أبي الدّراما الحديثة؛ هنريك إبسن 1828-1906[3]. وتبدأ غالبيّةُ نصوصِ إبسن بوصفٍ تفصيليٍّ للبيتِ الذي ستجري فيهِ الأحداث.

لا شكَّ أنَّنا نجدُ، للبيتِ في الدراما مقابلاً في فنِّ السينما؛ والتي بدورِها وظّفَت فضاءَ البيتِ كدالٍّ أساسي يوحي عبرَ شكلهِ بعوالم ِالشّخصيّاتِ، وموضوعاتِ الأفلام، ورؤيةِ كلِّ مخرجٍ للعالم، خاصّةً أنَّ السينما قادرة على التقاطِ أكثرِ المواضيع الإنسانيّةِ دقّةً. ونجدُ أمثلةً كثيرة على بيوتٍ سينمائيّةٍ تحملُ دلالاتٍ معبّرةً ناجحة؛ مثلاً بيتُ الزّوجين في فيلم عيون مغمضة على اتساعها[4]، حاضنَ العلاقةِ الزّوجيّةِ المتاخمةِ حدوداً تراجيديّة مسدودة. ونلاحظُ أنَّ معظمَ هذهِ الأفلام تعالجُ إشكاليّاتِ الأفرادِ والعلاقات، بينما تحتلُّ المدينةُ والشّوارعُ، المكانَ الدراميّ الأولَ في الأفلام ِالتي تعالجُ إشكاليّاتِ الجماعات والمجتمعاتِ وتعبّرُ عن نظرةٍ كونيّةٍ للعالم، مثل أوديب ملكاً 1967 إخراج بيير باولو بازوليني.

يطرحُ فيلم السّاعات 2002 _ إخراج ستيفن دالدري، سيناريو ديفيد هير، وبطولة: نيكول كيدمان، ميريل ستريب وجوليان مور[5] _ من خلالِ عنوانهِ، موضوعتهُ الرّئيسيّة وهي: كيف نقضي ساعاتِ حياتنا؟ إن كانت خفيفة سريعة أو ثقيلة مؤلمة…
“مازلتُ مضطرّاً لتحمّلِ السّاعات؟ أعني، بعدَ الحفلة والسّاعاتِ التي تليها..”[6]

وكيفَ يلعبُ هذا الزّمنُ “السّاعات” دوراً في إنهاكِنا، وتفريقنا عن بعضنا:

“ليونارد… السّنواتُ دائماً تفصلنا…

دائماً السّنوات… دائماً… الحبّ…

دائماً… السّاعات…”[7]

والزّمنُ المركّبُ في الفيلم، يتجاوزُ إطارَ البنيةِ الوظيفيّة، ليصبحَ موضوعةً تطرحُ تساؤلاتٍ حولَ علاقاتِ الشّخصيّاتِ المنتمية إلى فترات متباعدة، وذلكَ ضمنَ المكانِ البيتيّ الحميميّ الذي يشيرُ إلى معانٍ عديدة استُخدِمت سابقاً في تاريخِ المسرحِ والسّينما.

يمكنُ اعتبارُ فيلم السّاعات نموذجاً دالّاً ناجحاً على قدرةِ المكانِ الدّراميّ _المُمَثَّلِ ببيوتِ الشّخصيّاتِ_ في إيصالِ مقولةِ الفيلم. إنَّ المشكلةَ الرّئيسيّةَ للشّخصيّاتِ الثلاثِ في الفيلم، فيرجينا وولف، لورا براون، وكلاريسا فوغان، هي عدمُ التأقلم مع عوالِمِها مكانياً وزمنياً، وانعدامُ التّواصلِ مع هذهِ البيئات. يُبرِزُ الفضاءُ الدرامي في الفيلم هذهِ الإشكاليّة ويعبّرُ عنها بشعريّةٍ عاليةٍ قائمةٍ على التّوازي والمقارنة والتناظُرِ والتجاورِ بينَ الأمكنة المنتمية إلى أزمنة متباعدة تاريخيّاً. وذلك عبرَ تقنيّات مدروسة، تطرحُ سؤالاً بحثيّاً يحتاجُ إلى دراسةٍ تفصيليّة؛ كيف نجحَ المكانِ الدراميّ في التّعبيرِ عن رؤيةِ الفيلم للعالم؟

الهوامش:

  • 1 – من أعرافِ المكان في المسرحِ الغربيّ أنّهُ: كان محكوماً بالإمكانيّاتِ التّقنيّة التي تسمحُ بمحاكاةِ الواقع والتّوصّل إلى المصداقيّة ومشابهةِ الحقيقة. في المسرحِ الكلاسيكيّ في القرن السّابع عشر، أدّى الالتزام بقاعدة وحدة المكان إلى الفصلِ تماماً بين ما يجري ويُرى على الخشبة، وبينَ ما لا يُرى، ممّا فرضَ استحضار ما يجري خارجَ الخشبة على شكلٍ سرد. وفي عصرِ النّهضة، وبسببِ الاهتمامِ تطبيقِ قواعدِ المنظورِ لتحقيقِ الإيهام ضمنَ صالات المسرح المشيّدة، تمَّ الفصلُ بين الخشبة والصّالة. ثمَّ في فترةِ الواقعيّة والطّبيعيّة قُسّمَ الفضاء إلى فضاء على الخشبة وآخر خارج الخشبة وافتُرِضَ وجودُ جدارٍ رابعٍ غيرِ مرئي يفصلُ الخشبة عن الصّالة. نع رفضِ الواقعيّة، وضمنَ توجّهِ الاستفادة من تطوّرِ الفنونِ التّشكيليّة والتّقنياتِ في العمليّةِ المسرحيّة، ومع ظهورِ الإخراج، أعيدَ النّظر بمفهومِ المكانِ ككلّ وبمفهومِ الديكور وتمَّ التّعاملُ مع العمارة المسرحيّة بشكلٍ مغاير ٍ. كما ظهرَ مفهومُ السينوغرافيا بمعناهُ الحديث. (عن الياس، د. ماري. قصّاب حسن، د. حنان. (1997). المعجم المسرحي (المجلد الطبعة الأولى). بيروت: مكتبة لبنان ناشرون، ص 275)
  • 2 – سعت الدراما الحديثة في القرنِ التّاسع عشر إلى كسرِ مفهومِ البطلِ التراجيدي التّقليديّ. لقد نجحت في تحويلِ الإنسانِ العاديِّ، بهمومهِ الصّغيرة إلى بطل. حاولت إثارةَ القلقِ النّفسيِّ في قلوبِ المشاهدين عبرَ كشفِ مشاكلِ المجتمع ِ بأسلوبٍ واقعيّ…. إلخ وكانت الحريّة في الطّرح هي اهمّ ما ميّزها شكلاً ومضموناً. ويمكنُ تلخيصها بتعريفٍ: ” إنّ الدّراما عالمٌ من الجدلِ المُتكاملِ، الحرِّ المتجدّدِ في كلِّ لحظة..” (بيتر زوندي. (1977). نظريّة الدّراما الحديثة. (د. أحمد حيدر، المترجم) دمشق: وزارة الثقافة والإرشاد القومي/ ص: 9-11) و (عن فوزي فهمي أحمد. (1986). المفهوم التراجيدي والدراما الحديثة (الطّبعة الثانية). الهيئة المصرية العامة للكتاب، ص: 9- 80- 82).
  • 3 – وُلِدَ هنريك إبسن في مدينةِ سكيين بالنرويج، وهو أحدُ أوائلِ الكتّابِ المبشّرين بالكتابةِ الحداثويّة في المسرح.
  • 4 – Eyes Wide Shut 1999 إخراج ساتنلي كوبريك، بطولة توم كروز ونيكول كيدمان.
  • 5 -Hare, David. The Hours. Directed by Stephen Daldry. Performed by Nicole Kidman, Meryl Streep, Julianne Moore, and Ed Harris.. 2002.
  • 6 -عن حديث ريتشارد: ديفيد هير. السّاعات. إخراج ستيفن دالدري. أداء ميريل ستريب، نيكول كيدمان، جوليان مور وإد هاريس. 2002.
  • 7- عن حديث (لفيرجينيا وولف). السّاعات. (دالدري. 2002).

وسوم: , , , , , , , , , ,



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الساعة