المرأة السورية ووهم الاستقلاليّة.. اكتبن

 يوليو 7, 2017

ديانا قاسم 7GATES

لفتَ انتباهي مؤخّراً الطريقة اللا مبالية في نشرِ صورِ شابتين في إحدى حدائق دمشق والتعليقات المرعبة حولهما، والكراهية التي يتمُّ التحفيزُ عليها، وتذميم أي مبادرة للجيل الجديد في التعبير عن ذاته أو اكتشافها وبنائها. الجانبُ الذي أودُّ التحدّثَ عنهُ هنا هو هذهِ القوّة الذّكوريّة الهائلة من العنف، وكيفيّة استغلالها لأيِّ حَدَث في سبيل تحقيقِ مزيدٍ من الديكتاتورية كما لو أنَّنا نعيشُ في لعبةِ مصارعةٍ علنيّة دائمة. هذهِ الحادثة تذكّرني بالصور والتعليقات الساخرة التي تقهرُ أيضاً بعضَ الذكور ذاتهم إن بدا عليهم اختلاف أو جانب أنثوي (أي صفة تتناقض مع أعراف المجتمع الذكوري المهيمن). إذاً، أيّ كائن حيّ يخالف الأنماط التي فرضتها هذهِ العقليّة الذكورية هو كائن يحلُّ فضحهُ ونبذهُ واضطهادهُ من قبل هذا المجتمع. ولا يمكن أن يثني هذهِ العقليّة الذكورية أيّ نوعٍ من الأخلاق الاجتماعيّة أو الدينيّة أو القوانين أو الأعراف أو النصائح أو الحرب والموت والألم والنزوح والتهجير. لا شيء يقفُ في وجهها عن فرض المزيد من القمع. ولا بُدَّ أنَّ أحدَ الأسبابِ الرّئيسيّة في إطالةِ الحرب هي تلكَ الذكورية النمطيّة المتعفّنة المتجذّرة الآن في كِلا الجنسين.

إذا قُمنا بمقارنةٍ بسيطة، معيارها الفعاليّة والعمل والقوّة، بين المرأة السورية ونساء من دول عديدة مجاورة وحول العالم، لوصلنا إلى نتيجة محبطة بأنَّ مكانة المرأة السورية وتأثيرها ضعيف جداً. المرأة السورية تعمل لكنَّ هذا لا يعني أنّها تؤثّر، علينا أن نفرّق بين العمل والفعل. وهناك وهم حقيقيّ _يدعو للسخرية_ بأنَّ المرأة في المجتمع السوري تعيشُ بعضاً من الحريّة أو تتمتّع بقوّة ما، بل ويسوّغ للبعض السخرية حتى على فكرة خروج المرأة ليلاً قبل الحرب! فأي استقلاليّة لتلكَ التي لا سلطةَ لها حتّى في خروجها من السّجن المُسمّى بالمنزل. نظرة سريعة على القوانين المتعلّقة بالمرأة وحقوقها في الدستور السوري، تحيلنا إلى أنّها نصف مواطنة حرفيّاً، بل تمَّ إيهامها بالرضا الكامل وغسلُ عقلها على أنّها بخير. حقّها في العمل لأنَّ عليها أن تعمل تحتَ سلطة المسؤول الذّكر، ويمكنها أن تتعلّم.. تتعلّم إطاعةَ الرجل.. كما أنّها تتعلّم لتربّي أطفالاً يطيعونَ الرجالَ بدورهم ولتورّثهم تلكَ العقليّة المتحفّظة على حريّة أيِّ كائن آخر لا يتمتّع بالشكلِ النمطيّ للذكورة أو يخضع لها. يمكنها أن تخرج معهُ، تتجمّلَ لأجله، أن تؤمنَ بهِ وبدينهِ وجوازِ سفرهِ وجنسيّتهِ وخانتهِ إلخ.

إنَّ تقييم مدى حريّة وفعاليّة المرأة في مجتمع ما، لا يُقاسُ بقبولِ تسويقِها كسلعة رخيصة رائجة، بل يرجعُ أوّلاً إلى مدى الفعاليّة الثقافيّة والعملية للمرأة، وقيادتها، وتأثيرها وإنتاجها الحقيقيّ في مجتمعها وعلى مستوى العالم، واحترام القوانين لها. وهنا أتحدّثُ عن الكمّ والنّسبة الأكبر، لا عن حالات نادرة معدودة من الفاعلات.

تتلخّصُ الرسالة التي أودُ قولها بأنَّ على المرأة السورية التي تعيشُ الحربَ الآن أن تقاتلَ أوّلاً في حربها هي، لا على طريقةِ الرجال، وأن تنتصرَ أخيراً لها ولبناتها وأبنائها، أن توثّقَ ذاتها وحضورها في مجتمعها قبلَ أن تفقدَ حتى هذا الجزءَ البسيطَ التي تمَّ “منحُها” إيّاه من قبلِ الذكر. وهذا يجبُ أن يكونَ هدفاً لأيِّ إنسانٍ، بغضِّ النظر عن جنسه، مهتمٍّ بإعادةِ بناءِ مجتمعٍ سوريّ.

بكلمات هيلين سيكسو منذ عام 1976 في مقالتها (ضحكة الميدوزا):

“على المرأة أن تكتب لذاتِها، أن تكتبَ عن المرأة (المرأة المقاومة لصورة الرجل الذكوريَّ التقليدي)، وأن تدعو النساءَ للكتابة. عليها أن تقحمَ نفسها في النصّ، في العالم، وفي التاريح.”

في نهايات القرن التاسع عشر اضطرَّ أبو خليل القبّاني في تمثيلياتهِ للاستعانةِ بصبيةٍ لأداء أدوارِ الإناث في دمشق، ثمَّ هربَ إلى مصر ليتابعَ عملهُ بحريّة. وبعدهُ طالبَ ذاتُ المجتمع بقتلِ نزار قبّاني، شاعر المرأة. في 1997 كتبَ سعد الله ونوس في مسرحيّتهِ (الأيام المخمورة)، عن امرأةٍ اسمُها سناء هربَت للبحثِ عن ذاتها، وكيفَ حطّمَها فعلُها الجريءُ هذا، بسببِ بيئتها التي تدعمُ النّفاق وترفضُ الحبّ والحريّة. هذهِ هي حكياتكنّ الحقيقيّة.

هي الصورة المفروضة على المرأة السورية.. اكتبنَ، تحدّثنَ، اخرجنَ معاً إلى الضّوء.

 

وسوم: , , , , , , , , , , ,



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الساعة