فيلم 12 رجلاً غاضباً لسيدني لوميت

 نوفمبر 25, 2016

نسرين علام 7GATES

صحفية بهيئة الإذاعة البريطانية، لندن

“إنها قضية محسومة” يقول المحلف رقم ٣ (لي جيه كوب) عندما يخرج المحلفون للتدوال، ولكن ليت الأمر بهذه السهولة!

“١٢ رجلا غاضبا” (١٩٥٧) لسيدني لوميت يبدأ حيث تنتهي معظم الأفلام التي تتخذ من قاعة المحكمة مسرحاً لها. ليس الادعاء والدفاع وسجالاتهم القانونية أبطال الفيلم، ولكن أبطال الفيلم هم ١٢ رجلا يشكلون هيئة المحلفين.

وما يدور في غرفة تداول المحلفين ليس فقط تحديد مصير إنسان قد يُحكم عليه بالإعدام إذا ارتآه المحلفون مذنبا، ولكنه تشريح للنفس البشرية وما تحمله من تحيزات وتحاملات، وتحليل للكثير من العلل ليس في المجتمع الأمريكي فقط ولكن في المجتمات البشرية كافة.

لعل اليد الطولى في الفيلم والكلمة الأعلى صوتا هي “الشك”. ترى أيمكن لإنسان أن يكون لديه ما يكفي من اليقين لإرسال شخص آخر لكرسي الإعدام؟ ترى هل نحن على يقين تام حقا بما نراه أو نسمعه أم يخيل لنا ذلك؟ ترى أيكننا بلا أي شك أن نجزم أن ما يبدو أنه حدث قد حدث فعلا؟

في فيلم بالغ التكثف تبلغ مدته نحو ساعتين إلا ثلث، وفي سيناريو شديد الإحكام كتبه رجينالد روز، عن مسرحية له، نكاد نخال أنفسنا مع هؤلاء الرجال الذين يتداولون. ويخيل لنا من حدة التوتر في غرفة التداول الصغيرة التي أُوصدت أبوابها على المحلفين في محكمة بنيويورك في “أكثر الأيام حرارة” في صيف المدينة أننا نحن أيضا مثلهم نتصبب عرقا توترا.

الجريمة التي يبت المحلفون بحكمهم فيها هي ما إذا كان شاب في الثامنة عشر مذنبا حقا ومدانا بمقتل أبيه طعنا بمدية. لا نرى المتهم إلا في لقطة لا تزيد عن بضعة ثوان. نرى وجه مراهق خائف وقد تحلقت عيناه بالسواد إرهاقا.

لا نسمع المتهم متحدثا ولا نسمع الدفاع عنه، ولا نعلم علم اليقين إذا كان قتل والده أم لا. واقع الحال، الفيلم غير معني بإثبات براءة الشاب، ولكنه معني بذلك المفهوم الصعب الذي يعني أن وجود الشك يحسب لصالح المتهم. قد لا يكون المتهم بريئا ولكن عدم تيقن المحلفين من اقترافه الجريمة يفسر لصالحه.

حين يجتمع المحلفون للتداول يبدو أن اليقين بأن الشاب مذنب يعم القاعة. ١١ صوتا يرون الصبي مذنبا لا محالة في ذلك، إلا ذلك الرجل النحيل، المحلف رقم ٨، الذي يلعب دوره باقتدار بالغ هنري فوندا، الذي يقول ببساطة “لا أدري”. وب “لا أدري” التي هذه تبدأ رحلة الشك وتبخر اليقين. وبعد “لا أدري” هذه تتوالى تساؤلات المحلف رقم ٨، ويتسرب الشك إلى حيث كان اليقين لدى باقي المجموعة.

ثم، وفي تكثيف شديد، تبدأ رحلة تغير قناعات المحلفين التي لا تأتي إلا بكشف مكنوناتهم الداخلية لنا. لعل أعلى الأصوات في القاعة بضرورة إرسال الصبي إلى كرسي الإعدام هو المحلف رقم ٣، الذي يبدو لنا أنه ليس بحاجة إلا دليل أو برهان على قتل الصبي لأبيه. هو أصدر مسبقا حكمه بأن الصبي مذنب، ثم بمرور الوقت وتبدل المواقف يتضح لنا أن هذا الرجل ارتأى ما ارآه لأنه أب يتعذب من هجر ابنه له ويود القصاص من ابنه في صورة الصبي المتهم.

لعل أكثر الأمور إبهارا في الفيلم هو كيف يحول لوميت غرفة التداول الصغيرة المغلقة التي لا نبرحها طوال الفيلم تقريبا إلى حيز ديناميكي تصطخب فيه المشاعر والشخصيات. كل المحلفين يأتون إلى طاولة التداول محملين بأيديولوجيات وأفكار تصطخب وتتناطح وتتعارك بينما يفرغ الجميع ما في جعبته من آثار المجتمع الخارجي عليه وهو يحاول تقرير مصير المتهم.

في عمله الإخراجي الأول يقدم لنا لوميت عملا شديد الحيوية وبالغ التأثير. يحاول كل محلف إخفاء نقاط ضعفه ومكنونات نفسه بالهجوم على المحلفين الآخرين أو التهكم عليهم. وفي لقطة قرب نهاية الفيلم يقول أحد المحلفين”التحيزات تغيِّب الحقيقة”. ومع التغير الدرامتيكي في طقس نيويورك، الذي يتحول من حر قائظ إلى سيول متدفقة وبعدها السكون، يخرج المحلفين إلى الشارع مدركين حقا أن تحيزاتهم كادت أن تعميهم عن الحقيقة.

وسوم: , , , , , , , , , , ,




الساعة