أعطني النّاي.. وغنّي يا فيروز

 نوفمبر 21, 2016

ديانا قاسم 7GATES

لعلَّ فيروز تمثّلُ بالنّسبةِ لنا شهرزاد المعاصرة الممتعة والخلّابة، على اختلافِ التوجّه والحكاية.. فتعطي كلّاً منّا نايهُ الخاصّ، تضبطُ لنا الإيقاعَ من الصّباحِ حتى المساء، تهدّئُ الأرواحَ المتعبة، تقرّبنا من الموسيقا أكثر.. وتغنّي. فهل أسطورةُ تشبيهنا فيروز بالملاك حقيقة؟ وهي التي استطاعت أن تجدَ لنفسها مكانة غيرَ عاديّة لدى معظمنا، فأهدينا أغانيها، ورافقناها مع قهوةِ الصّباح، على شرفة المساء، والفطور، والشّارع، والمطر، والبكاء، والتّعاسة، وراحة البال، والحب. لكلٍّ منّا مطرب يحبّهُ وفيروز. حتّى إن لم يفضّلها، فإنَّ لكلِّ منّا أغانٍ مفضّلة وأغنية مُحبَّبة لفيروز.

قبل أن أدخُلَ المدرسة، سمعتُ “أعطني الناي” في الشارع. وقفتُ فجأةً منصتةً إلى مصدرِ الصوت كالمسحورة.. حينَ اختفى الصّوت، ركضتُ بعجلةٍ إلى أبي وسألتهُ، فحكا لي عنها، وصرنا نسمعُ أغانيها كل يومٍ صباحاً بأعلى صوت (نحن وكلّ الحارة، فلا أحد يتأفّفُ من صوت ستريو عالي يصدحُ بفيروز)… أو ربّما كنّا نسمعُها من قبل، لكن تلكَ كانت لحظة البدء في وعيي لفيروز أو حبّي الأول… “من يومها صار القمر أكبر ع تلالنا…”

fayrouz_lbأغاني فيروز أجملُ وأمتع وسيلةٍ تعليميّة تلقّيتُها في اللغة العربيّة، والموسيقا، والعاطفة، قبلَ المدرسة إلى الآن.. صرتُ ابحثُ عن صوتِها خاصّةً في الشّارع، (كما كانت فيروز ذاتها تسترقُ سماع راديو الجيران من النافذة)، بينَ أبوابِ بيوتِ النّاس في سوريا، ودكاكينهم، وإيقاعِ حياتهم، وبردِ شتائِهِم، وأمطارِ سمائهم، وعصيِّ مسنّيهم، وحقائبِ تلاميذِهم..

وتكوَّنت لديّ، ككلِّ النّاس، مواقف معيّنة تجاهَ أغاني فيروز_ تختلفُ من شخصٍ لآخر حسبَ تذوّقهِ وميولهِ الموسيقيّة وطبيعةِ ثقافته. أيّامَ الطّفولة، أثّرت بي الأغاني الصّعبة، غير المفهومة، وكنتُ أركّزُ على إحساسِ فيروز. فالطّريقةُ التي تلفظُ بها كلمة “النّاي” كافية لأن تدخلَ القلبَ، وتفسّرَ الموضوع. حفظتُ أيضاً: “سكنَ الليل” ولم أفهم منها شيئاً. وكم كانَ جميلاً اكتشافُ المزيدِ من معانيها في المراحلِ العمريّة المختلفة لاحقاً، أو تلقّيها بعواطف مختلفة كلّ مرّة.

أمّا بالنّسبةِ لأغنيةِ “جارةِ الوادي”؛ ألحان محمد عبد الوهاب وكلمات أحمد شوقي، فقد استمتعتُ بمحاولةِ فكِّ شيفرة هذهِ الأغنية. ولفترةٍ ما، ظننتُ، انّها تتحدّثُ عن قطعةٍ أثريّة نادرة حينَ تقول: “حتّى ترفّقَ ساعدي فطواكِ”، إلى أن فهمتُ أكثر وقرأت عن قصّة زيارة شوقي إلى مدينة زحلة وإعجابهُ بها. بالنّسبةِ لي، خاصّةً مع تأثير ألحان عبد الوهاب، مازلتُ أتخيّلُ تدمر وأوغاريت في هذهِ الأغنية.

في مراحلَ عمريّة لاحقة أصبحتُ أحبّ أغاني الرّحابة الأكثر بساطةً وفرحاً وحُلماً، خاصّةً حوارات المسرحيّات. وكنتُ أحفظها وأمثّلها، وقد ساعدتني فعلاً في فهمِ حالةِ العرضِ والجمهور أكثر. وحينَ قرأتُ مسرحيّة حلم منتصف ليلة صيف لشكسبير، وجدتُ معادلاً عربيّاً لها في أغنية “سكنَ الليلُ” كلمات جبران خليل جبران:

“فَتَعَالَيْ يا ابْنَةَ الحقلِ نَزَورْ .. كَرْمَةَ العُشَّاقْ…

لا تخافي فَعَرُوسُ الجِنِّ في .. كَهْفِها المَسحورْ

هَجَعَتْ سَكْرَى كادتْ تَخْتَفي .. عن عُيُونِ الحُوْرْ…

وَمَلِيكُ الجِنِّ إِنْ مَرَّ يَرُوحْ .. والهوى يَثْنِيهْ

فَهْوَ مِثْلِي عاشقٌ كيفَ يَبُوحْ .. بالذي يُضْنِيهْ.”

وحينَ نتحدّثُ عن فيروز، لا بدَّ أن نتذكّرَ مُدُنها. من القدس؛ “مدينة الصّلاة وزهرة المدائن” إلى بيروت التي تعرّفتُ إليها أوّلاً عن طريقِ فيروز والرّحابنة، كما اتّضحت لي خصوصيّة لبنان، بفضلِ فيروز، وأظنُّ أنّهُ سيكونُ مميّزاً لو اختارَ أغنية “بحبّك يا لبنان” كنشيدٍ وطنيّ. فق تجنَّبت فيروز الأغاني الوطنيّة المتغطرسة، العنيفة، أو الزّائلة التي تمجّدُ لاسمٍ سياسيٍّ معيّن، ونجحت في تقبّلِ جيلٍ جديدٍ كاملٍ (تنفّرهُ الشّعارات) للأغنية الوطنية من النّوعِ الفيروزي. وبذاتِ الوقت، ينتمي لفيروز نسبة هائلة من السوريين، ومسجّلاتهم، وهواتفهم، وبيوتهم وشوارعهم، وأديانهم، وعلاقاتهم، ومدنهم، خاصّةً دمشق. كما تنتمي فيروز لسوريا التي رحّبت بها في أول حفلة عام 1959، واحتفت بهذا البلد: “سوريا.. سوريا.. ولتعلمِ الشعوبُ أنّا نفنى ولا نلين”، “حينَ عثرتُ السّلام.. سائليني يا شآم”، إلى “أحبُّ دمشقَ” وغيرِها الكثير.

 fairouz002فيما بعد، أقمتُ أيضاً ثورتي الموسيقيّة الخاصّة، وبدأتُ أُعجَب بكلِّ ما يقوم بهِ زياد الرّحباني بالشّراكةِ مع فيروز.. وبدأت أهتمُّ أكثر بسماع أو مشاهد مقاطع من بروفات الرحابنة وطريقة غناء فيروز وتطوّر صوتها، وكيف تقدّمُ نفسها دائماً بأزياء مستوحاة من التّراث الجميل. وأداءها الغريب، المتفرّد الذي لا يشبهُ أحداً على الإطلاق، من نظرتها الواثقة التي تتبنّى كلّ ما تقولُه، إلى كيفَ تفتحُ ذراعيها لنا، وكأنّها تحتضننا جميعاً..

فلا شكَّ بأهميّة كامل تجربة فيروز مع الرّحابنة، وموقعها في الموسيقا العربيّة الذي يمثّلُ حرفيّة عالية، وغنىً روحاني وثقافيّ، وبالتّالي موقعها أيضاً في تاريخِ الموسيقا العالميّة والمسرح الغنائي. وإنَّ البحثَ في هذهِ المدرسة الرّحبانيّة الغنيّة، سيفيدنا سريعاً في الإجابةِ عن سؤال: ماذا ينقصُ الغناءَ العربيّ الآن، أو ما سببُ تراجُعِه؟ ليسَ فقط سعيَ المغنّين نحو الشّهرة السّريعة، والاستعراض وإهمالهم للعمل المُجِدّ والموهبة، والثّقافة والمعرفة الموسيقيّة، والجرأة، وعدم تقليد بعضهم، وافتقارهم للتخطيط والنظرة المستقبليّة، بل أيضاً صدق الإحساس والحبّ الحقيقيّ والإخلاص لما يقومون به.

 في عيدِ ميلادكِ فيروز:

نحبّكِ، ونتمنّى لكِ قدرَ ما قدّمتهِ لنا عبرَ أغانيكِ.

وسوم: , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , ,



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الساعة