لجوء المسرح إلى اللاجئين: سياسة، فن، وشهادات حية

 نوفمبر 4, 2016

زياد عدوان

“كان المشردون موضة مسرح التسعينيات، وبعدها جاء دور المعاقين جسدياً. أما الآن، فبات اللاجئون الموضة الجديدة على المسرح”. تأتي هذه العبارة على لسان إحدى شخصيات المسرحية الوثائقية “الشفقة: تاريخ المدفع الرشاش” للمخرج السويسري ميلو راو، والتي تستعرض تجربتين: الأولى لفتاة سوداء بلجيكية هربت عندما كانت طفلة من المجازر في الكونغو، والثانية أوروبية شقراء، انتهى بها المطاف لتشهد المجازر في عدة بلدان أفريقية.

قد يكون هذا الكلام صحيحاً، ولكن ليس اللاجئون أوروبيين، بينما المشردون والمعاقون هم أوروبيون أساساً. ويتضمن وضع الشرائح الثلاث سوية ضرورة التعاطف معهم، ولكن اللاجئين، مرة أخرى، يتقاسمون العراء مع المشردين، ويتقاسمون الواقع المفروض عليهم مع المعاقين، وهم في الآن نفسه العبء الأكبر على أوروبا بمراحل تتعدى تأثير المشردين والمعاقين على هذه القارة. ولا تبدو أوروبا بدورها متجانسة أمام موضوعة اللاجئين، فهي لم تنقسم على نفسها بسبب المشردين والمعاقين. ويبقى الاختلاف الأهم هو تجاوز أعداد اللاجئين للشرائح الأخرى بمراحل، الأمر الذي يدفع أوروبا إلى التساؤل عن مفاهيمها وعاداتها ومسرحها.

عموماً، تجتمع المسرحيات التي تتصدى لموضوعة اللاجئين على الرغبة بتحقيق تغيير سياسي وإنصاف اللاجئين والتعاطف مع مآسيهم، كما تجتمع على انتقاد الدور الأوروبي الاستعماري في استعار الحروب بعيداً عن أوروبا. وتجتمع معظم المسرحيات على استخدام شهادات حية للاجئين من قصصهم وفي معظم الأحيان، على وجود اللاجئين أنفسهم على خشبة المسرح.

ترويج للحروب

في عام 2013 وضعت الباحثة المسرحية إيما كوكس كتاب “مسرحة اللجوء” وهو كتاب يعرض ستة نصوص عن موضوع اللجوء والهجرة. لم يغفل الكتاب السياسات الغربية، الإنكليزية والأسترالية خاصة، التي تروج للحروب، وتتمنع عن استقبال اللاجئين. ولكن تشير كوكس أيضاً في معرض حديثها عن مسرحية توفيق القاضي “لا شيء، ولكن لا شيء” إلى أن أي تناول لهذه المسرحية دون تعاطف مع الضحية هو نوع من الرفاهية.

اللاجئون هم ضحايا، وانتقاد وانتقاص تجربتهم هو ضرب من الرفاهية فعلاً، ولكن لا يلغي هذا الرأي وجود إشكاليات مسرحية عديدة عندما نرى اللاجئين بشحمهم ولحمهم على خشبة المسرح لقص ما حدث معهم حقيقة. هناك، طبعاً مطب التعميمات، واعتبار اللاجئين كتلة واحدة بالمرجعيات نفسها، وهناك أيضاً الارتباك أمام الجدل الذي يحاول المسرح استثارته دوماً. ويجري هذا كله في فضاء يمزج حكايات حقيقية يرويها اللاجئون أنفسهم بعوالم المسرح المتخيلة، لنصبح أمام مكان لا نعرف فيه هوامش المتخيل والإبداعي.

تبدو المسارح الألمانية الأكثر استضافة لمسرحيات عن اللاجئين. فألمانيا هي التي فتحت أبوابها للاجئين الذين أنفقوا ما يصلح ليكون رحلة مرفهة حول العالم على طائرة. وبعد أن ينجو اللاجئ من بلاد الحرب، وعبور البحار (وهناك روايات عن ثقب قوارب اللاجئين من قبل خفر السواحل، وروايات عمن تعلقوا بعجلات الطائرات، ومن وجدوا في سيبيريا طريقاً مختصراً إلى أوروبا)، وبعد ابتزاز المهربين، وحقد العنصريين، تقوم الدولة الألمانية بمكافأة الواصلين بقبول لجوئهم، ليروي اللاجئون بعدها ما حدث معهم على المنابر والمسارح.


افتحوا الحدود

في العام الماضي، أقام مسرح كامرشبيله (Kammerspiele) في مدينة ميونخ مؤتمراً عن المسرح واللاجئين بعنوان افتحوا الحدود (Open the Borders). كانت هناك  ندوات وشهادت للاجئين وشخصيات ألمانية وعالمية، انصبت على ضرورة استقبال اللاجئين، ورغبات السلام العالمي، وقوننة وصول اللاجئين إلى أوروبا. قدم المؤتمر أيضاً مجموعة من العروض المسرحية عن موضوعة اللاجئين، بعضها بأداء اللاجئين أنفسهم كما في عرض تمديد الهويات (Stretching Identities)، والمسرحية الغنائية جنة عادات الطيور (Paradise Mastaz)، والتي بدورها لجأت إلى نصوص من ناشط من مالي.

بالطبع هناك اختلافات بالطرق التي يتم فيها تقديم اللاجئين أو الحديث عنهم. هناك بعض العروض التي استخدمت ممثلين محترفين لقراءة شهادات اللاجئين كما هو الحال في العرض المسرحي (مونولوغات اللجوء) للمخرج المسرحي والسينمائي الألماني مايكل روف، والذي سرد قصصاً للاجئين من تركيا وتوغو وإثيوبيا، وقام بأداء المونولوغات ممثلون ألمان. وفي أمثلة أخرى قامت المخرجة الألمانية نورا هاك بإخراج مسرحية (المحول)، وتستند المسرحية على مونولوغ كتبه وسيم غريوي عن هروبه من سورية. غريوي نفسه أدى هذا المونولوغ نفسه فيما سبق في عدة قراءات مسرحية في برلين. وقام الممثل أيهم الآغا بالمشاركة في مسرحية (حالة طوارئ، أربعة مداخل إلى الجحيم، سورياً) في برلين، ولكن الآغا ظهر بشخصيته الواقعية، مقدماً اسمه الحقيقي، ومتحدثاً عن آرائه الشخصية في ما يتعلق بتاريخ سورية والحرب الراهنة.

نساء طروادة

لا يقتصر تقديم اللاجئين على المسرح على المسرحيات الأوروبية، بل كانت هناك أيضاً مسرحيات سورية تصدت لموضوعة اللاجئين بأداء اللاجئين أنفسهم كعرض “نساء طرواديات” للمخرج السوري عمر أبو سعدة. في هذا العرض قامت لاجئات سوريات في الأردن بتقديم نص يوريبيدس وتجسيد شخصيات المسرحية. كما قام المخرج السوري نوار بلبل بتقديم حكاية “روميو وجولييت” واستخدم المخرج تقنية السكايب عبر المسرح ليروي قصة حب بين لاجئ سوري في الأردن وحبيبته المحاصرة في مدينة حمص. ورغم استناد العروض المسرحية السورية على كلاسيكيات المسرح العالمي، تحيلنا مشاهدة اللاجئين على المسرح، مرة أخرى، إلى اضطرابات الفرجة نفسها.

بات من الصعب، بطبيعة الحال، إنكار غرائبية القصص التي ترويها هذه العروض، والتي لم يكن لأحد أن يتوقع حدوث ما يشابهها في زمننا الحالي. هنا تصبح المادة الغرائبية الحقيقية مادة صالحة، برأي المسرحيين، لأن تكون مسرحية بحد ذاتها مع بضع لمسات صغيرة لتشذيب الحكاية، وإضافة بعض العناصر الموسيقية أو الرقصات. ولكن تبقى مغامرات اللاجئين المتن الأساسي لالتفاف المسرح الألماني ومؤسساته الثقافية نحو اللاجئين. وإن كان من الصعب الابتعاد عن التعاطف إلا أننا لا يمكننا التغاضي عن انزلاق العديد من المؤسسات إلى برامج لا تهدف إلى شي إلا لدرء الذنب وإعلان التعاطف جماهيرياً. وبعد قرون من الاستشراق والنظرة الغرائبية إلى الشرق، والتي بدورها تكرس المباعدة بين الحضارات، لا يمكننا التغاضي أيضاً عن تكريس الجرعات الغرائبية للقصص الآتية من الشرق، لتتحول المحاولات المتعاطفة إلى نتائج تعزل اللاجئين عن المجتمعات الجديدة.

مسرحة اللجوء

التصقت عروض المسرح بالنوايا الطيبة والغضب تجاه مآلات الملايين من البشر جراء الحروب، بطريقة تتطابق مع الخطابات المتلفزة وأحاديثنا اليومية. أعود هنا إلى تعليق للمخرج المسرحي البريطاني بيتر بروك عندما سئل في صحيفة الغارديان عام 2005، عن عدم تطرقه إلى الحرب على العراق في مسرحه. أجاب بروك وقتها، أنه يتردد بخصوص الخوض في موضوع الحرب على العراق ومجازر أفريقيا، كي يبتعد عن التبسيط والشكوى والتنميط، بالإضافة إلى الابتعاد عن المباشرة في الطرح.

موضوعة وجود اللاجئين على خشبة المسرح إشكالية من الناحية الأخلاقية والفنية. ومن الممكن أن تنزلق أي قراءة إلى نوع من الاتهام والتحريض ضد اللاجئين، وهو أمر لا يرغب به أحد. وباستخدام ما قالته إيما كوكس في كتابها (مسرحة اللجوء)، تحول المسرح من مكان يستثير الخيال إلى حيز لا يترك لنا إلا مساحات ملتزمة بالتعاطف والمناصرة، من دون إنكار النوايا الطيبة لهذه العروض المسرحية. ولكن هل هناك مجال للتأويل ونحن أمام قصص واقعية يرويها بطريقة مباشرة من مر بها؟ هل من مساحة لانتقاد هذه الشخصيات على المسرح؟ وهل تكفي النوايا الطيبة كي ننتج مسرحاً جيداً؟

المصدر: العربي الجديد

وسوم: , , , , , , , ,



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الساعة