غادة السمان.. عن التصوير الفوتوغرافي

 أغسطس 20, 2016

7GATES

وُلِدت أوّل صورة عام 1826 من أب فرنسي نيسيفور نييبس، وتمّت الولادة على نافذة البيت المطلّة على الحديقة. وخرجت أول صورة فوتوغرافية في التاريخ إلى النور، وكانت تمثّل مشهد الحديقة المشمسة من النافذة. كانت الصورة مرتجفة، مشوّشة، ومع ذلك كانت فتحاً كبيراً في تاريخ الإنسان.. واستطاع شقيق رائد التصوير أن يلحظ منذ الوهلة الأولى أهميّة هذا الحدث الذي وصفه بقوله إنه واحد من أعظم اكتشافات هذا القرن. وكان على حق.

ومنذ ولادة الكاميرا وهي تلعب دوراً أساسيّاً في حياة الإنسان. إنها ترافقه في مناسبات حياته كلها كولادته وتخرّجه الجامعي ورحلاته. وفي مناسباته التعيسة كوفاته أو زواجه أو دخوله إلى السجن !

والصورة ليست وثيقة حياتيّة فحسب، أو حتى أداة صحافية، بل هي تطورت حتى صارت فناً قائماً بذاته على يدي جيل من المصورين الذين يستخدمون الكاميرا كما يستخدم الفنان الريشة، وينقلون عبرها وجهة نظرهم في الحياة والوجود، ورؤياهم الشِعرية أو صرخات احتجاجهم ضد الظلم وبشاعة العالم المعاصر ووحشيّة الحرب.

وهكذا تحولت الكاميرا المعاصرة من مجرد أداة تسجيلية إلى قصيدة شعر، أو إلى صرخة اتهام إنسانية، أو إلى لوحة تجريدية، أو إلى ملحمة وثائقية، ويقول لازلو موهولي ناجي أن الرجل الذي لا يحمل كاميرا سيُعتبر “أمّي العصور المقبلة” !

وفن صناعة الكاميرات تطور إلى حد تقني مذهل، لكن ذلك التطور حدث في الوقت الذي لم يعد فيه المصورون الشبّان يبالون كثيراً بعين الكاميرا قدر مبالاتهم بعينهم الداخلية، عين البصيرة لا البصر. ويقول زاركاوسكي، مدير قسم التصوير في متحف الفنون الحديثة في نيويورك: “لقد تطور فن التصوير من مجرد تسجيل خارجي إلى إعطاء وجهة نظر شخصية. لقد انتقل الاهتمام من التركيز على سطح الأشياء إلى باطنها ومدلولها”.

وأيام كان توزيع مجلة “لايف” حوالي عشرة ملايين نسخة، أصدرت المجلة في 5 تموز 1968 عدداً خاصاً عن “رئاسة الجمهورية”… وكان من الطبيعي أن يتضمن العدد تحقيقاً عن الرئيس جونسون بمناسبة انتهاء مدة ولايته… وكان هذا التحقيق مفاجأة العدد، لا للصفحات العشرين التي أفردت له وحده، ولكن لأنّ الصفحات العشرين تلك كانت تحقيقاً بالصور والصور فقط !… صور التقطها فنان الرئيس الخاص (أوكاموتو)… صور مفرودة على عشرين صفحة، استطاع الفنان أوكاموتو أن يروي عبرها حكاية جونسون وأن يكشف عن زوايا مجهولة في شخصيته، وأن يروي متاعبه وأسرار حياته كرئيس وكزوج وأب وجد، أكثر مما كان لأي قلم أن يفعل، ولأية لغة أن تفصح…

وفي افتتاحية العدد، كتب رئيس التحرير جورج هانت يقول: “أما وأنّ الكاميرا تحولت في عصرنا هذا إلى مؤرّخٍ محترف، وصار المصور كاتب مقال بالكاميرا، فإننا نترك للفنان أوكاموتو أن يكتب لنا بكاميرته حكاية الرئيس جونسون كما لا يستطيع أن يفعل أي قلم… إنّ نتاجه هذا سيظل مرجعاً للمؤرخين بعد 500 سنة”.

الكاميرا تفطم نفسها عن الصحافة:

ذات يوم، كان حلم كل مصور هو أن يصير مصوراً في مجلّتي “لايف” أو “لوك”. أما اليوم فقد تم فطم الكاميرا عن الصحافة وبدأت تكرّس نفسها كفن قائم بذاته معترف به في نادي الفنون الكلاسيكية (الرسم، النحت، الشعر، الموسيقى).

وقد غزت “الألبومات” الفنية المكرّسة للرسم الفوتوغرافي أوروبا وأميركا، وكلها من تصوير فنانين تقول صورهم ما تقوله سطور الكاتب المبدع أو أبيات الشاعر التقليدي، واستطاعت الكاميرا أن تقول في لقطةٍ مبدعة ما يحتاج قوله إلى شرح قاموسي طويل. ثم إنّ لغة الكاميرا سريعة، وهي بالتالي معاصرة، إنها أقرب إلى البرقية، وعصرنا عصر برقيّات لا عصر معلّقات.

الصورة الفنية المبدعة هي تماماً كومضة البرق: سريعة، شرسة، تكشف عن الكون حولها في ثانية التماع واحدة هي الثانية التي يستغرقها تأمل الصورة.

وبلغ من مكانة التصوير الفوتوغرافي في عصرنا أن أحد الفنانين نعى فن الرسم. فقد صرخ الفنان بول دي لاروش حينما شاهد صورة فوتوغرافية فنية بديعة: “منذ اليوم مات الرسم بالريشة!” وهنالك لقطات يقضي الفنان أياماً في الاستعداد لها وتصويرها، كما أن هنالك لقطات تلعب الصدفة دوراً هاماً في قذف صاحبها إلى الشهرة، كما حدث لبوريس يارو الذي استطاع التقاط صور مصرع روبرت كنيدي إذ وُجِد هناك بالصدفة ومعه كاميرا.

“بورتريه” الكاميرا تنافس الموناليزا:

وإذا كانت معارض التصوير الفوتوغرافي قليلة في بلادنا، فقد صار لها في الغرب “غاليريهات” خاصة بها، وأجنحة خاصة في المتاحف الفنية الرسمية، وارتفعت أسعار الصور في سوق هواة جمع “الأنتيكات”.

وفي مزاد علني في لندن بيع “ألبوم” صور “بورتريه” تقليدي عمره مئة عام _ كانت قد صوّرته _ جوليا كاميرون بمبلغ 130 ألف جنيه استرليني.

أما أحد هواة التصوير الفوتوغرافي أرنولد كرين فقد دفع 35 ألف جنيه استرليني ثمناً لصورة واحدة هي صورة الكاتب ادغار آلن بو الملتقطة له عام 1848.

وليست الصور الأثرية (التي يتقاضى ثمنها الورثة لا مصوروها) وحدها باهظة الثمن. ف”الألبومات” التي يصدرها مبدعو الغرب من المصورين تُباع بأسعار تنافس أسعار اللوحات الجيدة والكتب الثمينة.

الكاميرا العبقرية:

مذهل ما تستطيع الكاميرا أن تصنعه حينما تمسك بها يد سريعة ورؤيا فنية مبدعة ! وبقليل من الحيل التكنيكية يتحول المشهد إلى لوحة تجريدية أو سوريالية أو إلى صورة انطباعية تهب منها إلينا رائحة فان غوخ وغوغان. وهواة الصور الفوتوغرافية، الذين يقبلون على شراء “الألبومات” السنوية لأفضل الصور الملتقطة في الغرب، لابد وأن يتساءلوا أحياناً: “لو امتلك ليوناردو دافنتشي كاميرا، هل كان يرسم الموناليزا بريشته أم بكاميراه؟!”

إنّ فن الكاميرا ليس انتصاراً للآلة، كما يبدو للوهلة الأولى، بل هو انتصار للإنسان. فالإنسان المبدع قادر على سحق برودة الحديد وحياد العدسة وتحويلها بين أصابعه إلى شيء حي ومرهف كأوتار العود. الإنسان الذي يجعل الغيتار الأخرس يصدح هو نفسه الذي يخرج الرقة والشراسة والأسى من علبة سوداء مقفلة لها عين واحدة بيضاء كمردة الأساطير !

المعذبون في الصحافة:

هذا يحدث عندهم.

لديهم كاميرات ومصورون وجمهور ونقاد وصالات فنية وجوائز وهواة جمع صور ومعاهد تصوير… فماذا لدينا؟ وهل ما زلنا في عصر “التصوير الحجري” أم أننا نعيش عصر الفضاء حين توّجت الكاميرا أمجادها بتصوير الكواكب النائية وحملتها إلى بيوتنا بأمانة لنتأمل أصقاعاً تبعد ملايين الأميال عن تلسكوباتنا؟..

المصور العربي، ماذا يفعل؟ وكيف حاله؟.

فنانون بالرغم عنا !:

الرسام بالكاميرا مظلوم.

على الصعيد الرسمي: لا أحد يجيء، لا شيء يحدث.

وحتى الدول العربية التي بدأت ترعى فنانيها التشكيليين ما زالت ساهية عن أن التصوير الفوتوغرافي صار اليوم فناً عصرياً هاماً، وأنه من الضروري مساواة الرسام بالكاميرا بزميله الرسام بالريشة.

نحن العرب لدينا معاهد للفنون الجميلة، لكننا نفتقر إلى معهد واحد للتصوير الفوتوغرافي الفني.

مصورنا ما زال مرغماً على أن يكون خريج معمل لا خريج معهد ! ليس في العالم العربي كله “غاليري” خاص بعرض إبداع الكاميرا، ولا متحف لفنها ولا حتى جناح في متحف! إلا فيما ندر.

ورغم ذلك يكافح مصورونا ويدفعون من جيوبهم ثمن إدخال هذا النوع من الفن الحضاري إلى بلدنا. والمعارض الفنية من هذا النوع قليلة لكنها مهمة.

المصور عندنا يلهث باستمرار راكضاً، فهو مرغم على تصوير جريمة في الصباح وجلسة نيابيّة ظهراً وحفلة مصارعة بعد الظهر وجولة حربيّة ليلاً… ووسط هذه الدوّامة التي لا رحمة فيها ولا تفهّم نجده مع ذلك يبدع “ويثبت وجوده” بل ويفوز بجوائز عالمية، ولكن… لا كرامة لمصوّر في وطنه!

المصدر: عين غادة تتفرس، غادة السمان، منشورات غادة السمان، بيروت، الطبعة الرابعة 1991، ص183، 184، 185، 186، 193، 194

وسوم: , , , , , , , , , , , , , ,



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الساعة