عن الكاتب الفرنسي جان جينيه

 أغسطس 10, 2016

إيمان طجمية 7GATES

“هبّت عاصفة هوجاء على الحي المعزول جارفةً معها العار، والغموض، وأربعة قرون من الإذلال. لكن حينما تلاشت العاصفة، اكتشف الناس أنها مجرد نسيم عليل أوقع في نفوسهم شعوراً بالرضا والارتياح”

وُلِد “جان جينيه Jean Genet” في باريس عام 1910، بدأ حياتهُ الأدبيّة شاعراً، وكان يرى أنّ وظيفة الشعر هي تحويل مادّة مبتذلة إلى مادّة نبيلة بوساطة اللغة، في الأربعينات كتب رواياته العظيمة التي أكسبتهُ شهرةً وتعاطفاً وإعجاباً من قِبل جان كوكتو، جان بول سارتر، ومؤسّس المذهب السريالي أندريه بريتون، وهي: يوميّات لص، معجزة الزهرة، وشعائر الدفن.

يمثّل جان جينيه مثالاً صارِخاً لأثر الطفولة المبكّرة على الشخصيّة، تُعدّ حياته وكتاباته وما كُتِب عنه، خاصّة ما كتبهُ سارتر بعنوان “القدّيس جينيه Saint Genet” رصيد جيّد لفهم أبعاد شخصيّته.

في سن السادسة عشرة أدخِل جان جينيه إلى السجن بسبب سرقة، وهناك التقى بالكاتب جوهاندو الذي قال له: إنّ السجن ليس سجناً، بل هو المهرب والحرية، ففيهِ يستطيع الإنسان الهرب من تفاهات الحياة كي يعود إلى جوهرها.

وعندما أخبرهُ جينيه أنه يتوق إلى الإقلاع عن السرقة ويودّ أن يحترف الكتابة، اعترض جوهاندو على ذلك قائلاً: يا صديقي إنه من المؤكد أنك تمتلك نوعاً من الموهبة في الكتابة، ولكن لا تحاول احترافها وإلا أفسدت كل شيء، وإذا شئت أن تصدّقني فينبغي عليك الاستمرار في السرقة.

وجان جينيه الذي أدخِل إلى السجن عدة مرات بسبب قيامه بأعمال سرقة، يعترف بلصوصيّته هذه من خلال سيرة حياته الروائية “يوميّات لص”.

كما نقرأ في هذه اليوميات ما كتبهُ جينيه عن الزهرة التي تحمل اسمه “جينيه”، أي زهرة الوزّال التي كان يشعر بأن ثمّة رابطاً عميقاً يجمعهُ بها، يقول:

“كنتُ أرنو إليها بخشوعٍ ومحبّة، ويبدو أنّ مشكلتي تكمنُ في الطبيعة التي تحكّمت في عاطفتي، واتّسقت معها، فأنا وحيدٌ في هذا العالم، ولستُ متأكداً إذا كنتُ ملك هذه الزهور أو شيطانها، فهي تبدي لي الإجلال حين أمرّ فتنثني دون انحناء، لكنّها تعرفني وتدرك أني كيانها المتحرك وممثلها الرشيق هازم الرياح. هي شِعاري، ومن خلالها تمتد جذوري في تلك التربة الفرنسيّة”.

في الخمسينات ألّف جان جينيه عدة مسرحيات اعتُبِرت من التراث العظيم للمسرح الأوروبي، ومنها: الشرفة، الخادمات، الزنوج، والستائر، وتعدّ هذه المسرحية التي صدرت عام 1961 علامة فارِقة ليس فقط في نتاجه الإبداعي، بل في تاريخ المسرح الحديث ككل.

يروي فيها فصولاً من الاحتلال الفرنسي للجزائر منذ عام 1830 حتى حرب التحرير، وعبّر فيها بلغة شعريّة مكثّفة عن مواقفهِ السياسيّة ووقوفه إلى جانب المظلومين دون اللجوء إلى خطاب سياسي مباشر، وعُرِضت المسرحية عام 1966 على خشبة مسرح “الأوديون” في باريس، وأخرجها روجيه بلين.

ومن الجدير بالذكر أن جان جينيه الذي كان من المفترض أن يبقى في الإصلاحيّة حتى الواحدة والعشرين من عمره، هرب منها ليتطوّع في الجيش، وقد قادتهُ الجنديّة إلى دول كثيرة منها المغرب والجزائر وسوريا، ولهُ ذكريات وصور عن مدينة دمشق عرضتها الدكتورة حنان قصاب حسن في معرض خاص بالمعهد العالي للفنون المسرحيّة منذ سنوات عديدة.

عُرِف عن جان جينيه مواقفهُ التضامنية مع المُضطهدين، فكان من مُناصِري الثورة الجزائريّة والمقاومة الفييتناميّة، ومن أشهر المدافعين عن حقوق العمّال المهاجرين، وفي هذا السياق قام عام 1970 برفقة الأديبة “مرغريت دوراس” باحتلال المقرّ العام لنقابة أرباب العمل الفرنسيّين، وفي العام نفسهُ سافر إلى الولايات المتحدة لدعم حركة “الفهود السود” المطالِبة بالحقوق المدنية، وقد رفضت الحكومة الأمريكية منحهُ سِمة الدخول إلى أراضيها، فدخل سرّاً عبر الحدود الكندية، وألقى عدّة محاضرات في التجمعات الجامعيّة، فطاردتهُ الشرطة وأجبرتهُ على العودة من حيث أتى.

وكان جينيه يردّد:

“ما لم أستطع الوصول إلى معرفته حتى هذه اللحظة، هو الكراهية التي يكنّها الأمريكيون البيض للزنوج، كراهية دفينة لدرجة أنني يمكن أن أتخيل أن الرجل الأبيض حينما يغرس شجرة لا يتمنى أن يرى زنجياً يتدلّى من أغصانها مشنوقاً”.

اختارتهُ في العام 1976 مؤسّسة “لاروس” كواحدٍ من أدباء فرنسا العِظام، وفي مطلع الثمانينات أعلن أنه توقّف عن الكتابة، لكن مأساة الشعب الفلسطيني جعلتهُ يواصِل كتابة أروع مؤلّفاته النثريّة “أسير عاشق”، التي صدرت عام 1986.

وضع في “أسير عاشق” خُلاصة علاقتهُ بالفلسطينيّين الذين عرفهم منذ مطلع السبعينات عندما أقام في الأردن مُتنقِّلاً بين قواعدهم ومخيّماتهم، ووجد في قضيّتهم مُختصراً للقضايا الإنسانيّة التي طالما هيمنت على كتاباته منذ بداياته.

وكان جينيه أوّل أجنبي يدخل إلى مخيم صبرا وشاتيلا بعد حدوث المجزرة، ومن مشاهداته هناك استوحى نصّهُ الذي يحمل عنوان “أربع ساعات في شاتيلا”، والذي نُشِر في مجلّة الدراسات الفلسطينيّة:

“للصورة الشمسيّة بُعدان، وكذلك لشاشة التلفزيون، إلا أنهما كلاهما لا يمكن أن يعبرهما الإنسان أو يطوف داخلهما. من جدارٍ إلى جدار، داخل زقاق الأرجل المقوّسة أو المدعّمة التي تدفع الحائط، والرؤوس المتكئة بعضها على بعض، والجثث المسودّة المنتفخة التي كان عليّ أن أتخطاها، كلها كانت جثث فلسطينيين ولبنانيين.

إنّ الصورة الشمسيّة لا تلتقط الذباب، ولا رائحة الموت البيضاء والكثيفة. إنها لا تقولُ لنا القفزات التي يتحتّم القيام بها عندما ننتقل من جثّةٍ إلى أخرى.

منذُ انقطعت الطرق، وصمت التليفون، وحُرِمتُ من الاتصال بالعالم، أحسستُني، لأول مرة في حياتي، أصيرُ فلسطينيّاً وأكرهُ إسرائيل”.

كتب جينيه في نصّه “البهلوان”:

“اخرج ميتاً، وأظهِر لجمهورك الصغير شبحك التلقائي وغير النمطي فوق الخشبة، ثم ارقص فوق الحبل وواجِه مصيرك الأخير من علٍ، من فراغك وجاهزيّتك له، أعدْ نفسك قويّاً، ومبهِراً، واجعل سقوطك الأخير دهشةً للجماهيرِ أمامك.

يفصل بين وجودِنا من عدمه حبل، إذ علينا أن نواجِه مخاوفنا وقطيعتنا مع عدم فهم الموت برحابةٍ أكبر”.

وُجِد جان جينيه ميتاً عام 1986 في غرفة أحد الفنادق في باريس، إذ لم يكن له عنوان ثابث، فكان يتنقل بين بيوت أصدقائه والفنادق.

دُفِن حسب وصيّته في المغرب، البلد الذي أحبّهُ وعاشر أهله، ولكن جذورهُ لا تزال ممتدّة في التربة الفرنسيّة من خلال “جينيه” التي طالما استوقفتهُ وهو عائدٌ في المساء من زيارة أطلال تيفوج، “جينيه” التي كان يرنو إليها بخشوعٍ ومحبّة.

المصادر: الحياة، السفير، العربي الجديد، منابر، بوابة فيتو.

 

 

وسوم: , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , ,



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الساعة